
نجم الدين دريسة
التاريخ لا يرحم الدول التي تقتل شعوبها، بل يكتب نهايتها بدم الضحايا
لم يعد هناك مجال للمواربة أو اللغة الرمادية. ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد حرب، وليس صراعاً عسكرياً عادياً كما يحاول البعض تصويره، بل هو مشروع عنف منظم تمارسه دولة مأزومة ضد مجتمعات بعينها. إن ما يفعله جيش وكلاء الاستعمار اليوم في دارفور وكردفان والنيل الأزرق ليس سوى امتداد طويل لسياسة قديمة تقوم على القتل والتدمير على أساس الهوية والانتماء.
هذا الجيش، الذي ورث عقلية الدولة الاستعمارية وبناها الأمنية، لم يتوقف منذ عقود عن التعامل مع شعوب الأطراف باعتبارها عدواً داخلياً يجب إخضاعه بالقوة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول الطائرات إلى أدوات قتل تحلق فوق الأسواق والقرى والأحياء السكنية، تقصف المدنيين وتزرع الموت في حياة البسطاء الذين لم يحملوا سلاحاً ولم يطالبوا سوى بالكرامة والعدالة.
إن القصف الذي يطال الأسواق والمجتمعات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق ليس حادثاً عابراً ولا خطأً عسكرياً، بل هو استهداف ممنهج يعكس عقلية دولة ترى في بعض شعوبها خطراً يجب إسكات صوته بالقوة. إنها سياسة تقوم على ترويع المجتمعات وتدمير حواضنها الاجتماعية حتى تخضع لسلطة المركز الذي احتكر الحكم والثروة لعقود طويلة.
والأخطر من ذلك أن هذه الجرائم لا تُرتكب في الخفاء، بل تُرافقها دعاية سوداء وإعلام تحريضي تديره دولة الأوليغارشية التي تحتكر السلطة في الخرطوم. هذا الإعلام لا يكتفي بتبرير العنف، بل يزرع الكراهية ويحرّض علناً على قتل المجتمعات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، في مشهد يكشف بوضوح طبيعة الدولة التي تحكم السودان اليوم.
إنها دولة ما بعد الاستعمار، لكنها في حقيقتها لم تتخلص يوماً من عقلية الاستعمار نفسه. بل إن كثيرين يرون أنها أصبحت أسوأ من الاستعمار، لأنها تمارس القمع باسم الوطنية وتقتل شعوبها باسم حماية الدولة.
لقد ورثت هذه الدولة نفس البنية الإقصائية التي صنعتها النخب المركزية منذ الاستقلال، حيث احتكرت السلطة والثروة وتركت الأقاليم الأخرى غارقة في التهميش والفقر والحروب. وعندما طالبت تلك المجتمعات بحقوقها، لم تجد أمامها سوى البنادق والطائرات.
اليوم، يتكشف وجه هذه الدولة بوضوح أكبر من أي وقت مضى. فالقصف الذي تنفذه طائرات جيش وكلاء الاستعمار ليس مجرد عمل عسكري، بل رسالة واضحة مفادها أن المركز مستعد لارتكاب المجازر من أجل البقاء في السلطة. إنها سياسة تقوم على إخضاع الشعوب بالقوة أو إسكاتها إلى الأبد.
ولهذا السبب لم يعد الصراع مجرد نزاع سياسي، بل أصبح في نظر كثيرين صراع وجود وبقاء. فالمجتمعات التي تتعرض للقصف والتدمير لا ترى في ما يحدث مجرد حرب عابرة، بل محاولة لإبادتها سياسياً واجتماعياً وإسكات صوتها إلى الأبد.
إن دولة ٥٦ المأزومة، التي تشكلت بعد الاستقلال على أساس احتكار السلطة من قبل نخبة محدودة، لم تعد قادرة على الاستمرار دون العنف. لقد تحولت إلى مسخ سياسي مشوه تحكمه شبكات من الانتهازيين والمرتزقة وقوى الردة التي لا ترى في السودان سوى غنيمة سياسية واقتصادية.
هذه الدولة التي تقدم نفسها باعتبارها حامية السيادة الوطنية، لم تكن في الحقيقة سوى حارس لمصالح الآخرين، وعلى رأسها المصالح المصرية التي ظلت تتحكم في كثير من معادلات السلطة في الخرطوم. ولذلك لم يكن غريباً أن تُستخدم قوة الدولة لقمع شعوب السودان بدلاً من حماية مصالحهم وحقوقهم.
لكن التاريخ يعلمنا درساً واضحاً: لا دولة يمكن أن تستمر وهي تحارب شعبها. فالقوة العسكرية قد تفرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع قتل فكرة الحرية ولا إخماد إرادة الشعوب.
لقد حاولت هذه الدولة لعقود طويلة أن تقصف المجتمعات المهمشة وتكسر إرادتها، لكنها فشلت في ذلك. واليوم، ورغم القصف والدمار، ما زالت هذه المجتمعات تقف وتقاوم وتعلن بوضوح أنها لن تقبل العودة إلى دولة الظلم والتهميش.
قد تقصف الطائرات حواصننا الاجتماعية، وقد تحاول آلة الحرب أن تزرع الخوف في القلوب، لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي أن زمن هذه الدولة يقترب من نهايته.
فالشعوب التي عانت من الظلم طويلاً لن تتراجع الآن، بل ستواصل نضالها حتى الخلاص من هذه الدولة الفاشستية القاتلة الظالمة الفاسدة والمستبدة، ومن أجل بناء دولة جديدة تقوم على السلام والعدالة والحرية.
دولة تكون فيها المواطنة أساس الحقوق والواجبات، لا العرق ولا الجغرافيا ولا الولاء السياسي. دولة الشعوب السودانية التي ستولد – مهما طال الزمن – على أنقاض هذه الدولة التي تحولت إلى آلة قتل.
وعندها فقط سيدرك الذين ظنوا أن الطائرات يمكن أن تحكم التاريخ أن الطغيان مهما طال عمره لا بد أن يسقط.
وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.




