
د. إخلاص قرنق
لم يذهب رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع إلى لندن حاملاً ملف الوطن المثخن بالجراح، ولا ذهب ليبحث عن مخرج لبلد ينهشه الجوع والنزوح والخراب، بل ذهب ليخاطب ندوة نظمها شباب حزبه، وكأن السودان بخير، وكأن الملايين الذين شردتهم الحرب مجرد هامش صغير في دفتر السلطة.
والمشهد هناك كان كافياً لاختصار المأساة كلها.
هتافات، صراخ، ورفع للرجل على الأكتاف في لقطة أقرب إلى “حنة عريس” سودانية منها إلى زيارة مسؤول يفترض أنه يمثل دولة تتآكل من الداخل.
أي دولة هذه التي يتحول فيها رئيس الوزراء إلى نجم حفلات سياسية؟
وأي نخبة هذه التي ظنت أن التصفيق في لندن يمكن أن يغطي على صرخات الجوعى في الداخل؟
المضحك المبكي أن الوفد عاد من رحلته السياسية الصغيرة ليجد معركة إعلامية أكثر سخافة من الرحلة نفسها.
وزير الإعلام، الذي يفترض أنه يتحدث باسم شعب منكوب، ظهر غاضباً على شاشة الجزيرة، لا ليتحدث عن المجاعة أو النزوح أو انهيار الخدمات، بل لأن بعض الذين كانوا يطبلون للحكومة تحولوا فجأة إلى نقاد.
يا لسخرية القدر.
الرجل بدا كأنه زعيم رابطة مشجعين فقد السيطرة على جمهوره، لا وزيراً في دولة تحترق.
لغة الوعيد، والانفعال، ونفخ الأوداج، كشفت أن الأزمة الحقيقية لم تعد أزمة وطن، بل أزمة سلطة مرتبكة بدأت تأكل أبناءها.
والأكثر إثارة للسخرية أن هذا الخلاف كشف المستور كله.
كشف أن الوطنية عند بعضهم لم تكن موقفاً أخلاقياً، بل وظيفة موسمية.
الهتاف له سعر.
والولاء له مقابل.
والصمت أيضاً له ثمن.
وحين تقل الامتيازات يبدأ الانهيار.
فجأة أصبح الذين كانوا “أبطال الكرامة” خونة ومتآمرين.
والذين كانوا بالأمس ضيوف الشاشات والمواكب الإلكترونية صاروا اليوم “نائحات” و”مرتزقة رأي”.
كأن السلطة لم تصنعهم أصلاً، وكأنها لم تمنحهم الميكروفونات وصفحات التمجيد وساحات التخوين.
هذه ليست معركة مبادئ.
هذه معركة نفوذ داخل سوق كبير اسمه الحرب.
في الدول الطبيعية، يخرج المسؤول ليشرح للناس كيف سيعيد الكهرباء والماء والدواء.
أما عندنا، فيخرج المسؤول ليتشاجر مع ناشطين على الهواء مباشرة، بينما المواطن يبحث عن رغيف الخبز وجرعة الدواء ومكان ينام فيه بأمان.
لقد سقطت هيبة الدولة حين أصبحت مؤسساتها الرسمية مجرد منصات غضب شخصي، وحين صار الإعلام الحكومي أقرب إلى “لايفات” المشاحنات الإلكترونية منه إلى إعلام دولة محترمة.
أما رحلة لندن، فقد كانت التعبير الأكثر دقة عن هذا الانفصال الكامل عن الواقع.
بلد يغرق في الدم، بينما ساسة السلطة يتبادلون التصفيق في الخارج وكأنهم يحتفلون بانتصار تاريخي.
أي انتصار هذا والخراب يحيط بالجميع؟
وأي وطنية تلك التي تُقاس بعدد المصفقين في قاعة مغلقة؟
الحقيقة المؤلمة أن الشعب لم يعد يرى في كثير من هذه الوجوه سوى طبقة سياسية تعيش فوق المأساة لا داخلها.
طبقة تتقن صناعة الشعارات، لكنها تفشل في صناعة دولة.
تجيد التخوين أكثر من إجادة الحلول.
وتبرع في إدارة المعارك الإعلامية أكثر من إدارة الأزمات الحقيقية.
لقد انكشفت المسرحية.
وسقطت الأقنعة ليس بفعل معارضة قوية، بل لأن الممثلين أنفسهم نسوا أدوارهم وبدأوا يتشاجرون أمام الجمهور.
وحين تتحول السلطة إلى مهرجان هتافات، والإعلام إلى سوق ولاءات، والوطن إلى خلفية لصراع المصالح، فاعلم أن الانحدار بلغ مداه.




