
اللواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة
تشكل الحرب الدائرة في السودان اليوم واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيدًا في الإقليم، ليس فقط بسبب طبيعتها الداخلية، بل بسبب تشابكها العميق مع حسابات إقليمية ودولية متداخلة. وبالنسبة لمصر، فإن هذه الحرب تمثل اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الأمن القومي وحدوده، وللسياسات التقليدية التي ظلت القاهرة تتبعها لعقود في التعامل مع السودان بوصفه مجالًا حيويًا تابعًا لا دولة ذات سيادة كاملة.
الحرب في السودان لم تعد صراعًا ثنائيًا يمكن احتواؤه أو التحكم في مآلاته. هي ساحة معركة متعددة الفاعلين: الجيش، قوات الدعم السريع، التحالف التأسيسي، الحركات المسلحة، ومليشيات محلية متباينة الولاءات. هذا التعدد، إلى جانب اتساع الجغرافيا السودانية وتنوعها الاجتماعي والقبلي، يجعل من أي تدخل خارجي مباشر مغامرة عالية الكلفة. وإذا تجاوزت مصر حدودًا معينة في تدخلها، فإنها ستواجه واقعًا أكثر تعقيدًا من تجارب ليبيا أو اليمن أو حتى سوريا، حيث تتوزع مراكز القوة ولا يمكن حسم الصراع عبر طرف واحد.
يزداد المشهد تعقيدًا مع ما يمكن وصفه بالتدويل غير المعلن للحرب. فروسيا وإيران وتركيا والإمارات والولايات المتحدة حاضرة بدرجات متفاوتة، عبر الدعم السياسي أو العسكري أو النفوذ غير المباشر. هذا التداخل الدولي يحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوحة، ويستنزف أي طرف يحاول فرض معادلة أحادية. بالنسبة لمصر، فإن الانخراط في هذا المشهد دون استراتيجية سياسية شاملة لا يهدد فقط مواردها وقدراتها، بل يفتح الباب أمام ارتدادات داخلية، بما في ذلك إعادة تنشيط التيارات الإسلامية، وهو هاجس مركزي في حسابات الأمن القومي المصري.
غير أن ما تغيّر جوهريًا في المعادلة الحالية هو الدور المتصاعد لقوات الدعم السريع وقوات التأسيس، التي باتت، بحكم الواقع الميداني والسياسي، قوى تحرر وطني تسعى لإعادة تعريف الدولة السودانية وإنهاء إرث الهيمنة العسكرية والأيديولوجية. هذه القوى لم تعد مجرد فاعل عسكري، بل أصبحت تعبيرًا عن تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، ولن تسمح بعودة الوصاية الخارجية أو بتمرير أي صلف مصري أو تآمر إقليمي على حساب السيادة السودانية. تجاهل هذا التحول يمثل خطأً استراتيجيًا فادحًا لأي طرف إقليمي.
لطالما ربطت مصر أمنها القومي بصناعة أزمات في السودان، أو على الأقل بإدارة أزماته بما يضمن وجود سلطة عسكرية في الخرطوم مرتهنة للتنسيق مع القاهرة. وكان الجيش، في صيغته التقليدية، الأداة المثلى لهذا النهج. غير أن هذه المعادلة تآكلت. فالسودان لم يعد ذلك المجال القابل للضبط عبر نخبة عسكرية واحدة، وأي محاولة لإعادة إنتاج هذا النموذج في الظروف الحالية ستوقع مصر في مصيدة استراتيجية، قد تدفع ثمنها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
يبقى ملف الأمن المائي أحد أكثر دوائر القلق حساسية بالنسبة لمصر. فالعمق المائي المصري مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالسودان، حيث يلتقي النيل الأبيض بالأزرق. غير أن حماية هذا العمق لا تمر عبر دعم طرف عسكري بعينه أو عبر عسكرة الأزمة، بل عبر استقرار دولة سودانية ذات سيادة، قادرة على إدارة مواردها ضمن توازنات إقليمية واضحة. انهيار الدولة أو انزلاقها إلى حرب بالوكالة يفتح المجال أمام قوى معادية، مثل إثيوبيا، لتعزيز نفوذها سياسيًا وعسكريًا، وهو سيناريو أكثر خطورة على المصالح المصرية.
كما أن الحدود الطويلة والمفتوحة بين جنوب مصر وشمال السودان تمثل تحديًا أمنيًا حقيقيًا. أي تصعيد غير محسوب سيحوّل هذه الحدود إلى فضاء هش، قابل للاختراق من قبل جماعات عابرة للحدود، ما يهدد أمن أسوان وصعيد مصر، ويضاعف الأعباء على الدولة المصرية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، خاصة مع تعقيدات غزة وسيناء والبحر الأحمر.
الخلاصة أن السودان اليوم ليس ساحة خلفية ولا مجالًا لتصفية الحسابات الإقليمية. الحل الوحيد الذي يحمي الأمن القومي المصري فعليًا هو التخلي عن دعم الجيش، والانخراط الجاد في مسار سياسي شامل مع الرباعية الدولية، يعترف بتوازنات القوة الجديدة، ويقود إلى دولة سودانية مستقرة وقابلة للتفاهم. أي تصعيد مصري خارج هذا الإطار لن ينتج أمنًا، بل مستنقعًا طويل الأمد، ستكون كلفته أفدح من كل المكاسب المتوهمة.




