رأي

التعليم بين المستقبل وصناعة الحرب

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم نحو الاستثمار في الإنسان والمعرفة، وتعمل جامعاتها على إعداد جيل قادر على قيادة المستقبل عبر العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي، يعيش التعليم العالي في السودان واحدة من أكثر مراحله قسوةً وظلامًا تحت سلطة حكومة الأمر الواقع. فبدلًا من أن تكون الجامعات منابر للعلم والإبداع، تحولت تدريجيًا إلى ساحات للتعبئة والاستقطاب، وأصبح الطلاب ــ الذين يفترض أن يكونوا بناة الغد ــ وقودًا لحرب أحرقت البلاد وأثقلت كاهل شعبها بالموت والنزوح والانهيار.

لقد أدركت الأمم المتقدمة منذ عقود أن نهضتها تبدأ من قاعات الدراسة والمختبرات ومراكز البحوث، ولذلك وفرت لطلابها بيئات تعليمية متطورة، وشجعتهم على تعلم اللغات والبرمجة وتحليل البيانات والابتكار العلمي، لأن العالم الحديث لا يُبنى بالبندقية، بل بالعقل والمعرفة. بينما في السودان، تتبنى السلطة خطابًا مختلفًا يقوم على عسكرة المجتمع وإقحام الشباب في الصراعات المسلحة، حتى أصبحت الجامعات نفسها مهددة بفقدان رسالتها الأساسية.

إن أكثر من 250 ألف طالب حُرموا من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية لثلاث سنوات، في واحدة من أكبر الكوارث التعليمية في تاريخ البلاد الحديث. هذا الحرمان لم يكن مجرد أزمة تعليمية عابرة، بل جريمة بحق جيل كامل جرى تعطيل مستقبله الأكاديمي والمهني والنفسي. فهؤلاء الطلاب لم يفقدوا عامًا دراسيًا فقط، بل فقدوا الاستقرار والأمل والشعور بالأمان، في وقت يحتاج فيه السودان إلى كل عقل متعلم من أجل إعادة بناء ما دمرته الحرب.

وفي الوقت الذي كان يُفترض أن تنشغل فيه وزارة التعليم العالي بإنقاذ العملية التعليمية وإعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، تصاعدت الانتقادات الحقوقية والسياسية بشأن استغلال الطلاب في الصراع الدائر، وسط اتهامات لعناصر محسوبة على السلطة بدفع الشباب إلى ساحات القتال تحت شعارات التعبئة والحرب، بدلًا من توفير بيئة تعليمية آمنة تحفظ مستقبلهم الأكاديمي والمهني. ويرى مراقبون أن استمرار الحرب أدى إلى تعميق أزمة التعليم في السودان، بعد تعطيل الدراسة في عدد كبير من الجامعات وتحويل بعضها إلى بيئات مرتبطة بالاستقطاب والتعبئة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى العقول والمعرفة أكثر من حاجتها إلى المزيد من البنادق.

كما برزت سياسات خطيرة تستهدف استغلال الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها الطلاب، خصوصًا أبناء الفقراء والنازحين وسكان المعسكرات، عبر دفعهم نحو ساحات القتال تحت شعارات سياسية وعسكرية لا علاقة لها بالتعليم أو بناء الدولة. فبدلًا من توفير المنح الدراسية والدعم النفسي والرعاية الأكاديمية، يتم تقديم الحرب باعتبارها المسار الوحيد أمام شباب أنهكتهم البطالة والفقر والنزوح.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو تحويل مؤسساتها التعليمية إلى أدوات للصراع السياسي والعسكري، لأن ذلك يعني تدمير وعي الأجيال قبل تدمير البنية التحتية. فالطالب الذي كان ينبغي أن يكون داخل معمل هندسة أو كلية طب أو مركز أبحاث، يجد نفسه محاصرًا بخطابات التعبئة والكراهية والخوف. ومع استمرار هذه السياسات، يصبح مستقبل البلاد رهينة للعنف بدلًا من أن يكون قائمًا على العلم والإنتاج والتنمية.

ولعل المأساة الأكبر أن السودان يمتلك تاريخًا أكاديميًا عريقًا وجامعات خرّجت آلاف الكفاءات التي أسهمت في نهضة دول عديدة حول العالم. لكن الحرب والسياسات القائمة على القمع والعسكرة دفعت كثيرًا من العقول إلى الهجرة، فيما تُرك من تبقى من الطلاب لمواجهة مصير مجهول بين النزوح والانقطاع عن الدراسة والتجنيد.

إن التعليم ليس ترفًا يمكن تأجيله في زمن الحرب، بل هو خط الدفاع الأخير عن بقاء الدولة والمجتمع. وكل سلطة تدفع بالشباب نحو المعارك بدلًا من الجامعات، إنما تدفع بالوطن كله نحو مستقبل أكثر ظلامًا. فالأمم لا تُبنى بالمليشيات والسلاح، وإنما تُبنى بالعلم والحرية والعدالة واحترام الإنسان.

سيظل الطلاب السودانيون، رغم كل ما يحيط بهم من معاناة، رمزًا للأمل والمستقبل. وسيبقى واجب المجتمع والقوى الوطنية والضمير الإنساني العالمي هو حماية حقهم في التعليم والحياة الكريمة، ورفض تحويلهم إلى وقود لحرب لا رابح فيها سوى الخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!