رأي

من القاهرة إلى أم درمان… الدم السوداني بقى رخيص لدرجة دي؟

دارالسلام وداعة

 

دارالسلام وداعة

مرة أخرى يصحو السودان على خبر يخلع القلب ويترك الناس بين الذهول والغضب والأسئلة المفتوحة.

محمد بخيت محمد آدم وخالد فيصل أحمد حماد، شابان من نيالا، من الهبانية، من غرب السودان؛ المنطقة التي يبدو أن الحرب لم تكتفِ بأن تحرق أرضها وتشتت أهلها بل قررت أن تلاحق أبناءها حتى في مسارات النزوح واللجوء والنجاة.

في ساعات قليلة خرجت روايات متباينة. حديث متداول عن ترحيل من القاهرة مروراً ببورتسودان ثم الخرطوم لتنتهي الحكاية بصورة صادمة داخل مدرسة الشرطة بأم درمان. لاحقاً أصدرت الشرطة روايتها معلنة أنهما “استشهدا أثناء أداء الواجب.”

لكن السؤال الذي يقف أمام الجميع بلا إجابة حتى الآن بسيط ومباشر:

واجب شنو؟ كيف؟ متين؟ وتحت ياتو ظروف؟

هذه ليست أسئلة معادية للدولة ولا خصومة مع مؤسسة. هذه أسئلة طبيعية في بلد صار الموت فيه سريعاً بينما الحقيقة تمشي بالعكاز.

السودانيون تعبوا من الأخبار الناقصة من البيانات المقتضبة من الروايات التي تطلب من الناس التصديق دون أن تمنحهم التفاصيل. تعبوا من أن تتحول أرواح البشر إلى أسطر قصيرة في بيان رسمي ثم يُطلب من الجميع الانتقال إلى الخبر التالي.

لكن القضية هنا لا تتعلق فقط بمقتل شابين.

القضية أوسع من ذلك بكثير.

لأن هناك شعوراً يتضخم في السودان يوماً بعد يوم شعوراً خطيراً ومؤلماً بأن بعض السودانيين أصبحوا مطالبين بإثبات براءتهم من جغرافيتهم من لهجتهم من ملامحهم ومن أسماء مناطقهم.

وسؤالٌ موجع بدأ يخرج من همس المجالس إلى الكلام العلني:

ذنبك شنو؟ إنك من الغرب؟

منذ اندلاع الحرب يعيش كثير من أبناء غرب السودان بين الاشتباه والخوف والاعتقالات والاتهامات الجاهزة. تحت شعارات متعددة وتحت لغة أمنية وسياسية تمددت حتى صارت تهدد معنى المواطنة نفسه. وأخطر ما في الأمر ذلك التعبير الذي صار يتردد في التداول العام: “الوجوه الغريبة.”

لكن غريبة على من؟

على السودان؟ أم على التصورات الضيقة التي تريد إعادة تعريف من يحق له أن يكون سودانياً كاملاً ومن يجب أن يبقى تحت الاختبار؟

أي وطنٍ هذا الذي قد يصبح فيه المواطن مشتبهاً فيه بسبب مدينته أو قبيلته أو انتمائه الجغرافي؟

دي ما دولة قانون.

ودي ما عدالة.

ودي ما حماية وطن.

دا منطق خطير لأنه لا يحارب الأزمة؛ بل يوسعها. لا يحمي البلد بل يزيد تشظيها. ولا يطفئ نار الحرب؛ بل يضيف لها حطباً جديداً من المرارات والكراهية والانقسام.

ثم هناك السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه بالمجاملة السياسية أو بالصمت المريح: أين يقف ملف اللجوء في كل هذا؟

القاهرة استقبلت مئات الآلاف من السودانيين الفارين من الحرب. ناس خرجوا من بيوت محروقة من مدن مدمرة من حياة انكسرت فجأة. لم يذهبوا باحثين عن رفاهية ولا عن تجربة عابرة. ذهبوا لأن الموت ضاق بهم حتى لم يترك لهم خياراً.

ولذلك فإن أي حديث عن ترحيل أو إعادة أشخاص من بيئة اللجوء إلى بلدٍ ما زالت الحرب تمزقه يفتح باب أسئلة ثقيلة سياسياً وإنسانياً وأخلاقياً.

اللاجئ لا يطلب معجزة.

اللاجئ يطلب الحد الأدنى: ألا يُعاد إلى الخوف الذي هرب منه.

والأكثر إيلاماً بحسب ما يتردد في أوساط واسعة من أبناء غرب السودان هو الإحساس بأن الحرب لم تكتفِ بمطاردتهم داخل بلادهم بل امتد ظلها إلى فضاءات اللجوء نفسها عبر العزل والاشتباه وضيق المساحات والشعور الدائم بأنك مطالب بتفسير هويتك أينما ذهبت.

وفي حرب يعرف الجميع حجم التشابكات الإقليمية والدولية المحيطة بها يصبح الحديث عن حماية المدنيين واللاجئين واجباً أخلاقياً قبل أن يكون نقاشاً سياسياً.

أما إذا كانت لدى الشرطة رواية رسمية حول ما جرى فمن حق السودانيين أن يعرفوا الحقيقة كاملة.

كيف وقعت الحادثة؟

ما طبيعة المهمة؟

ما الملابسات؟

من المسؤول؟

وأين الشفافية؟

لأن دماء السودانيين — أي سودانيين — ليست تفصيلاً صغيراً يُدار بعبارات عامة.

المطلوب اليوم ليس مزيداً من اللغة الدبلوماسية التي تداوي الجرح بالكلمات المنمقة. وليس بيانات تطلب الثقة بينما الأسئلة ما زالت معلقة في الهواء.

المطلوب واضح:

حقيقة كاملة.

تحقيق مستقل.

إجابات واضحة.

ومحاسبة عادلة إذا ثبتت المسؤولية.

والمطلوب أيضاً وقف تحويل الحرب إلى ماكينة فرز جهوي وأمني يدفع ثمنها مواطنون عاديون لا يملكون سوى هويتهم السودانية.

أوقفوا شيطنة أبناء الغرب.

أوقفوا تحويل الجغرافيا إلى تهمة.

أوقفوا منطق “أمسك الزول… واسأل بعدين.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!