رأي

قيام دولة التأسيس واندثار دولة ما بعد الاستعمار

بدين عبد الله ديان

بدين عبد الله ديان

badeen.abd@hotmail.com

فشل دولة ما بعد الاستعمار:

منذ خروج المستعمر البريطاني في عام 1956، وُلدت في السودان دولة ما بعد الاستعمار وسط بيئة مليئة بالتحديات البنيوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومنذ نشأتها، عجزت النخب الحاكمة عن صياغة مشروع وطني جامع يؤدي إلى بناء دولة حديثة، ذات مؤسسات قوية وقادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة الاجتماعية.

أحد أبرز مظاهر هذا الفشل كان ضعف المؤسسات السياسية وغياب رؤية واضحة لإدارة التنوع العرقي والثقافي والجغرافي في البلاد. وأسهم اعتماد الاقتصاد الريعي، القائم على تصدير الموارد الطبيعية دون تطوير قاعدة إنتاجية متماسكة، في زيادة هشاشة الدولة. وفي ظل هذا الضعف، لعبت المؤسسة العسكرية دوراً محورياً في الحياة السياسية، حيث توالت الانقلابات منذ انقلاب الفريق عبود، مروراً بانقلابات النميري والبشير، وحتى انقلاب البرهان، في حلقة مفرغة من عسكرة السياسة وتسييس المؤسسة العسكرية.

دولة ما بعد الاستعمار فرضت هوية أحادية ذات طابع “إسلاموعروبي” قسري على مجتمع متعدد الأعراق والثقافات واللغات والمعتقدات. هذا النهج الإقصائي عمّق من التهميش والحرمان لمناطق مثل دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق، وجنوب السودان، مهيئاً بيئة خصبة للصراعات الدموية والانقسامات المجتمعية.

في ظل هذه السياسات، أصبحت البلاد أسيرة دولة هشة وضعيفة؛ مؤسساتها ديكورية بلا فاعلية، برلمانها رمزي، قضاؤها فاقد للاستقلالية، وجهازها الإداري غارق في المحسوبية والفساد. الشفافية غائبة، والقرارات المصيرية تُتخذ خلف الأبواب المغلقة تحت سيطرة العسكر وحلفائهم من القوى الطائفية والسياسية.

دولة التأسيس: إعلان نهاية دولة ما بعد الاستعمار

في السادس والعشرين من يوليو، وُلدت في نيالا حكومة انتقالية جديدة للسلام، بالتعاون مع تحالف “السودان التأسيسي”، حاملة ميثاقاً دستورياً غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث. كان ذلك الإعلان بمثابة نقطة تحول تاريخية، هدفها إزالة دولة ما بعد الاستعمار من الخريطة السياسية السودانية، وبدء رحلة بناء دولة جديدة قوية وذات سيادة، تحمل اسم “دولة التأسيس”.

دولة التأسيس ليست مجرد تغيير في النخب أو الشعارات؛ بل هي مشروع متكامل لدفن إرث الدولة الهشة، وبناء مؤسسات حديثة سياسية واقتصادية مستقرة، تتأسس على دستور دائم يكفل التداول السلمي للسلطة، ويقيم العدالة والمساواة، ويضمن قضاءً مستقلاً وبرلماناً فاعلاً يشرّع باسم الشعب.

الشفافية والمساءلة أصبحتا في صلب مشروع دولة التأسيس، من خلال مكافحة الفساد وتعزيز الإدارة الرشيدة في مؤسسات الدولة. كما أن بناء اقتصاد متنوع ومستدام بات أولوية قصوى، للانتقال من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى تطوير قطاعات الإنتاج مثل الصناعة والزراعة والخدمات، بدعم بنية تحتية متقدمة تستوعب طموحات التنمية المستقبلية.

نهاية الانقلابات العسكرية وبناء جيش قومي

من أبرز أهداف دولة التأسيس هو وضع حد نهائي لحقبة الانقلابات العسكرية التي أعاقت تطور البلاد لعقود. فالميثاق التأسيسي ينص بوضوح على منع عسكرة السياسة، وإنهاء تغلغل العسكر في مفاصل الدولة المدنية، من خلال بناء جيش قومي واحد، وطني العقيدة، يحمي السيادة ويحرس الديمقراطية، بدلاً من أن يكون أداة للانقلابات والهيمنة.

بناء جيش قومي مهني سيعزز الوحدة الوطنية، ويقلل من الانقسامات التي خلفها المستعمر عبر سياسة “فرق تسد”. إنه جيش لحماية الدولة المدنية، لا للوصاية عليها. وهو الخطوة الحاسمة نحو استقرار سياسي دائم.

الهوية السودانية الجامعة: من الإقصاء إلى التعددية

دولة التأسيس جاءت لدفن الهوية القسرية “الإسلاموعروبية” التي فُرضت على الشعوب السودانية لعقود، وتأسيس هوية وطنية تعترف وتحتفي بالتنوع العرقي والثقافي والجغرافي. فالاعتراف بالتعددية هو حجر الأساس لبناء سودان جديد، سودان يتسع للجميع.

تأسيس مؤسسات مدنية قوية وفاعلة هو السبيل لإدارة هذا التنوع بشكل مستدام، وضمان مشاركة كافة مكونات المجتمع في صياغة مستقبل البلاد.

من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج

دولة التأسيس تسعى لدفن الاقتصاد الريعي الذي أفقَرَ البلاد، عبر تبني سياسات اقتصادية تركز على تنويع مصادر الدخل، وتطوير قطاعات الإنتاج. يتضمن هذا التوجه تشجيع الاستثمار في الصناعة والزراعة والخدمات، وتطوير البنية التحتية كعامل تمكين للنمو الاقتصادي.

كما أن تحسين الشفافية والمساءلة في إدارة الدولة والقطاع العام أصبح جزءاً لا يتجزأ من مشروع التأسيس، بهدف بناء اقتصاد قوي قادر على تحقيق التنمية المستدامة وضمان الرفاه الاجتماعي.

الخاتمة: بداية مرحلة جديدة

لأول مرة منذ الاستقلال، يلوح في الأفق بصيص أمل بقيام دولة جديدة تُنهي حقبة دولة ما بعد الاستعمار إلى الأبد. دولة التأسيس ليست مجرد شعار، بل مشروع شامل لإعادة بناء السودان من جذوره، يتطلب جهداً هائلاً لترميم ما أفسدته عقود من الفشل والفساد والعسكرة.

من خلال بناء مؤسسات قوية ومتطورة، وتنويع الاقتصاد، وإدارة التنوع بحكمة، يمكن لدولة التأسيس أن تتجاوز التحديات التي أسقطت دولة ما بعد الاستعمار، وتفتح صفحة جديدة من الازدهار والتقدم والاستقرار.

دفن إرث ما بعد الاستعمار هو الخطوة الأولى نحو بناء سودان المستقبل: سودان يتسع للجميع، يحميه جيش قومي واحد، وتقويم مؤسسات مدنية قوية، ويقوده دستور دائم يكفل الحقوق والحريات. إنها بداية مرحلة جديدة من البناء والتطور، نحو دولة تأسيسية حديثة تليق بشعب السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!