
مهند بكار ،، لندن
الأوطان العادلة لا تُبنى بامتيازات النخب، بل بحقوق الشعوب
لم تعد الأزمة السودانية اليوم مجرد صراع سياسي عابر بين قوى تتنافس على السلطة، كما تحاول بعض النخب تصويرها، بل أصبحت معركة تاريخية فاصلة بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة القديمة التي قامت على الهيمنة والإقصاء واحتكار السلطة والثروة، ومشروع السودان الجديد الذي تتبناه قوى الهامش والشعوب المهمشة الساعية إلى بناء وطن يقوم على العدالة والمساواة والشراكة الحقيقية.
إن ما يجري في نيروبي تحت عناوين ومسميات جديدة لا يمكن فصله عن محاولات إعادة تدوير ذات النخب السياسية التي ظلت لعقود جزءًا أصيلًا من بنية الأزمة السودانية، وأسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إنتاج الحروب والانقسامات والفشل الوطني المستمر منذ الاستقلال. فهذه القوى التي رفعت شعارات الثورة والديمقراطية في أوقات مختلفة، لم تستطع في جوهرها مغادرة عقلية “دولة 56”، الدولة التي احتكرت القرار الوطني لصالح مركز ضيق، وأقصت ملايين السودانيين على أساس الجغرافيا والانتماء الثقافي والإثني.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الحديث عن “المدنية” وحده لا يكفي لبناء دولة عادلة، ما لم يكن مقترنًا بإعادة تأسيس شاملة لبنية السلطة نفسها، وإنهاء الامتيازات التاريخية التي كرست التهميش والإقصاء لعقود طويلة. ولذلك فإن قوى الهامش لم تعد تنظر إلى الأزمة باعتبارها أزمة حكومات أو أشخاص، بل أزمة بنية دولة كاملة قامت على اختلال عميق في توزيع السلطة والثروة والهوية الوطنية.
ومن هنا يبرز مشروع “تأسيس” باعتباره، بالنسبة لكثير من السودانيين، فرصة تاريخية لإعادة تعريف الدولة السودانية على أسس جديدة، تنهي إرث الهيمنة المركزية وتفتح الطريق أمام بناء وطن يتساوى فيه الجميع دون تمييز. فالمشروع لا يطرح مجرد تسوية سياسية مؤقتة، بل يقدم رؤية متكاملة لدولة علمانية فدرالية ديمقراطية، تعترف بالتنوع الثقافي والإثني والديني باعتباره مصدر قوة لا مبررًا للصراع والإقصاء.
لقد دفعت شعوب الهامش أثمانًا باهظة من الدماء والتشريد والنزوح عبر عقود طويلة من الحروب، بينما ظلت النخب التقليدية تدير الأزمة عبر الصفقات والتسويات والمحاصصات التي لم تنتج سوى المزيد من الانهيار الوطني. ولذلك فإن أي محاولة جديدة لإعادة إنتاج ذات المعادلات القديمة، مهما تغيّرت أسماؤها أو شعاراتها، لن تجد قبولًا لدى الجماهير التي أصبحت أكثر وعيًا بجذور الأزمة الحقيقية.
إن السودان الجديد الذي تحلم به قوى التغيير ليس مشروع انتقام أو إقصاء مضاد، بل مشروع تحرر وطني شامل يهدف إلى بناء دولة مواطنة حقيقية، لا تُدار فيها البلاد وفق الامتيازات التاريخية أو سطوة المركز أو احتكار النخب، وإنما وفق عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والحرية والمساواة بين جميع المواطنين.
ولعل أكبر خطأ ارتكبته القوى التقليدية خلال العقود الماضية هو اعتقادها أن بإمكانها الاستمرار في إدارة السودان بذات العقلية القديمة، دون الاعتراف بمظالم الشعوب المهمشة أو تقديم مشروع وطني عادل يعالج جذور الأزمة. لكن الوقائع أثبتت أن السودان لم يعد يحتمل العودة إلى الوراء، وأن ملايين السودانيين الذين عانوا من الحروب والتهميش باتوا أكثر تمسكًا بحقهم في إعادة تأسيس الدولة بصورة جذرية.
كما أن الدروس القاسية التي خلفتها الحرب الحالية أكدت أن غياب العدالة والمساواة ليس مجرد خلل سياسي، بل خطر وجودي يهدد بقاء السودان نفسه. ولذلك فإن أي عملية سياسية لا تنطلق من الاعتراف الكامل بمظالم الهامش، ولا تؤسس لتوزيع عادل للسلطة والثروة، ستظل مجرد محاولة مؤقتة لإدارة الأزمة، لا حلها.
إن مشروع السودان الجديد يضع أمام السودانيين سؤالًا مصيريًا: هل يستمر الوطن رهينة لدولة الامتيازات التاريخية، أم يتجه نحو تأسيس دولة حديثة تقوم على المواطنة والعدالة والشراكة الوطنية الحقيقية؟
وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها السودان اليوم، تبدو الإجابة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فالهامش الذي ظل لعقود ضحية للتهميش والإقصاء، لم يعد مجرد طرف يطالب بالحقوق، بل أصبح حاملًا لمشروع سياسي وفكري يسعى لإعادة صياغة مستقبل البلاد بالكامل.
إن معركة السودان الجديد ليست معركة جغرافيا ضد أخرى، ولا صراع قبائل أو هويات، بل معركة ضد بنية تاريخية أنتجت الظلم والاحتكار والحروب. ولذلك فإن نجاح هذا المشروع مرهون بقدرته على بناء دولة تتسع للجميع، وتُنهي إلى الأبد فكرة السودان الذي يُدار لصالح نخبة محددة على حساب بقية الشعوب.
المجد للشهداء الذين حملوا حلم العدالة حتى آخر الطريق، والحرية للشعوب التي رفضت الانكسار، والسلام لوطن يستحق أن يولد من جديد.




