اخبار

رفض واسع لدعوة البرهان للحوار.. وتشكيك في جدية مبادرة “الجيش”

التنوير متابعات

 

التنوير متابعات 

قوى سياسية وناشطون: لا معنى لحوار يُدار تحت القصف ويُقصي ملايين السودانيين

أثارت التصريحات الأخيرة لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بشأن إطلاق حوار سياسي داخل السودان موجة واسعة من الرفض والتشكيك، وسط اتهامات بأن الدعوة لا تمثل سوى محاولة جديدة لإعادة إنتاج الأزمة السودانية تحت سيطرة المؤسسة العسكرية والقوى المرتبطة بالحركة الإسلامية.

وكان البرهان قد أعلن، في خطاب بمناسبة عيد الأضحى، عن ترتيبات لإطلاق عملية حوار سياسي تشمل ما وصفها بـ”القوى الوطنية”، مع استبعاد الأطراف التي تتهمها السلطات بالمسؤولية عن أعمال عنف ضد المدنيين، مؤكداً أن العملية ستقود ـ بحسب تعبيره ـ إلى وضع أسس جديدة لإدارة الدولة وتهيئة البلاد لمرحلة انتقالية مدنية.

غير أن ردود الفعل التي أعقبت الخطاب بدت شديدة الحدة، حيث اعتبرت قوى سياسية وقطاعات واسعة من الناشطين أن الدعوة تفتقر إلى المصداقية السياسية والأخلاقية، خاصة في ظل استمرار الحرب واتساع الانتهاكات الإنسانية والانهيار الكامل لمؤسسات الدولة.

ورأى منتقدون أن قائد الجيش يحاول تقديم نفسه بوصفه راعياً للحل السياسي، رغم أن المؤسسة العسكرية ـ بحسب وصفهم ـ ظلت لعقود جزءاً أساسياً من أزمة الحكم في السودان، وأسهمت بصورة مباشرة في تعطيل الانتقال المدني وتقويض التجارب الديمقراطية المتعاقبة.

وأكدت أصوات رافضة أن أي حديث عن “حوار وطني” في ظل استمرار العمليات العسكرية والقصف والنزوح الجماعي يفتقد إلى الحد الأدنى من الجدية، معتبرة أن الحوار الحقيقي لا يمكن أن يتم بينما يعيش ملايين السودانيين تحت وطأة الحرب والمعسكرات والمجاعات وانهيار الخدمات الأساسية.

كما قللت قوى سياسية من أهمية حديث البرهان عن “مرحلة انتقالية مدنية”، معتبرة أن المؤسسة العسكرية فقدت ثقة قطاعات واسعة من السودانيين بعد سنوات من الانقلابات والصراعات على السلطة، وأن أي عملية سياسية تُدار من داخل المنظومة العسكرية لن تكون سوى إعادة تدوير للأزمة بصيغة جديدة.

وانتقد مراقبون بشدة حديث قائد الجيش عن رفض المبادرات الخارجية، معتبرين أن هذا الخطاب يتناقض مع واقع الحرب الحالية التي تحولت إلى أزمة إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والسياسية والأمنية بصورة غير مسبوقة.

وأشاروا إلى أن ملايين السودانيين أصبحوا لاجئين ونازحين في دول الجوار، وأن أي تسوية سياسية حقيقية لن تكون ممكنة دون انخراط المجتمعين الإقليمي والدولي في جهود وقف الحرب وإعادة بناء الدولة.

كما اعتبر ناشطون أن محاولة حصر الحوار في أطراف محددة واستبعاد قوى أخرى يعكس استمرار ذات العقلية الإقصائية التي أوصلت السودان إلى هذه المرحلة، مؤكدين أن أي مشروع سياسي يقوم على الانتقاء والاستبعاد لن ينتج سلاماً مستقراً أو تحولاً ديمقراطياً حقيقياً.

وفي السياق ذاته، رأى محللون أن توقيت الدعوة يرتبط بمحاولات الجيش إعادة ترتيب المشهد السياسي بعد التطورات العسكرية الأخيرة، أكثر من كونه تحولاً حقيقياً نحو حل شامل للأزمة السودانية.

وأشاروا إلى أن الخطاب لم يتضمن أي مراجعة نقدية لدور المؤسسة العسكرية في إشعال الصراع أو تعطيل المسار المدني، كما لم يقدم تصوراً واضحاً بشأن العدالة الانتقالية أو المحاسبة أو مستقبل العلاقة بين الجيش والسياسة.

كما تعرض حديث البرهان عن “الدعم الشعبي للقوات المسلحة” لانتقادات واسعة، حيث رأى معارضون أن الشارع السوداني بات أكثر انقساماً وتعقيداً من اختزاله في معادلات التعبئة العسكرية أو الاصطفاف السياسي التقليدي، وأن الأولوية بالنسبة لغالبية المواطنين أصبحت وقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية المتفاقمة.

وفي مقابل خطاب البرهان، برزت دعوات متزايدة لضرورة التوجه نحو عملية سياسية جديدة تُبنى على معالجة جذور الأزمة السودانية، لا الاكتفاء بإدارة الصراع أو إعادة إنتاج السلطة القديمة عبر ترتيبات مؤقتة.

وأكدت هذه الأصوات أن السودان يحتاج إلى مشروع وطني شامل يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وتقاسم السلطة والثروة، بعيداً عن هيمنة السلاح أو احتكار القرار الوطني بواسطة أي جهة.

ويرى مراقبون أن الأزمة السودانية دخلت مرحلة لم تعد تحتمل المبادرات الشكلية أو الخطابات التقليدية، في ظل اتساع حجم الدمار والانقسام الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والإنساني غير المسبوق.

وبحسب تقديرات أممية، فإن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 تسببت في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، مع نزوح ولجوء ملايين السودانيين، وتدهور الأمن الغذائي، وانهيار قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية في أجزاء واسعة من البلاد.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو دعوة قائد الجيش للحوار ـ بالنسبة لمنتقديه ـ محاولة متأخرة لاستعادة زمام المبادرة السياسية، أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً لإنهاء الحرب وبناء سلام دائم.

ويؤكد رافضون للمبادرة أن السودانيين باتوا أكثر وعياً بطبيعة الأزمة، وأن أي عملية سياسية لا تقوم على تفكيك بنية الاستبداد والحكم العسكري، وإنهاء احتكار السلطة والثروة، وإقامة دولة المواطنة والعدالة، ستظل مجرد حلقة جديدة في مسلسل الأزمات السودانية الممتد منذ عقود.

وفي الوقت الذي تستعد فيه الآلية الخماسية لإطلاق حوار سياسي جديد خلال الأيام المقبلة، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة حول مدى قدرة القوى السودانية على الوصول إلى تسوية تنهي الحرب، أو ما إذا كانت البلاد تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً واستقطاباً في ظل استمرار المواجهات العسكرية وتضارب مشاريع الحكم ومستقبل الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!