رأي

تفكيك ودحض وقاحة سردية “العودة إلى حضن الوطن”

مهدي عبدالله حامد

 

مهدي عبدالله حامد 

تنويه

ننوه وننصح بعدم قراءة هذه المقال لكل من لا يرغبون في سماع الحقائق المجردة كما هي، وكل الذين يتهربون من الخوض بعمق حول مكاشفة وتشخيص المواجع والمرارات المؤلمة التي تضررت منها الشعوب السُّودانية جراء قهر وعنف جهاز الدولة الذي وقع عليهم جسديًا ولفظيًا ومعنويًا ووجوديًا وإنسانيًا

فلا تقرأ هذا المقال إن كُنت من الذين يفضلون عدم ذكر وسماع المسكوت عنه تاريخيًا والمُتجدد آنيًا، سيما وإن كنت من الذين يغضون الطرف عن معاناة المكتووين بصلف عواء ونهيق الألسن الغلاظ الصدئة والأصوات المغرضة والآبقة، لأننا نود أن نفتح بوعي ثاقب حقل ألغام أعدّدنا لها خصيصًا شواهد تاريخية ونماذج واقعية لدحض وتفكيك خطابات الكراهية والفرز العنصري والجهوي وممارسات جرائم إلغاء ونفي الآخر عن الوطن حول ما ورد فيما يسمى بالعودة إلي حضن الوطن….!!!*

إذ أننا بصدد تناول قضايا ذات حساسية بالغة وأهمية قصوى، لـ نكوي بالضوء والحجة والمنطق على “الجراحات القيح النازفة” تحت وطأة ترهات وتخرصات نخبة المركز التي ترغي وتزبد حقد وكراهية وتنَفَثَ السُّمَّ الزعاف للتفرقة والشتات، فهل تواصل القراءة أم تكتفي بهذه النصيحة وتتوقف عن مواصلة إكمال المقال الغائص بمنتهى التعمق حد البحر اللُجي لتسليط الضوء على قضايا شائكة ومعاناة جراح غائرة، “الخيار والقرار” لك

مدخل وتمهيد:

شهدت الساحة السيَّاسيِّة السُّودانية طوال العقود الماضية تخرصات مؤلمة، وتجددت تحديدًا في ظل الأزمات الراهنة التي تلت انفجار حرب الخامس عشر من أبريل، لـ توظيفًا مكثفًا وممنهجًا لمصطلحات الإقصاء والفرز الاجتماعي من قِبل نخب مركز الدولة الوقحة، ويتجلى هذا التوظيف في الاستخدام الساخر تفاهة الحديث الفج تحت دعاوي “العودة إلى حضن الوطن” كأداة سياسية لتصنيف المواطنين وفقا لمدى تماهيهم مع السلطة القائمة أو ممانعتهم لها، إذ إن هذا المفهوم يُختزل الوطن بوضوح في نطاق نفوذ وحضن طغمة بورتسودان الحالية، ممثلة في حدود نطاق تواجد النظام البائد، حيث تصبح الطاعة صكا للمواطنة، ويتحول الحق الأصيل في الانتماء إلى هبة تمنحها السلطة لمن يركع لإرادتها ويذعن لسياساتها القائمة على الجهوية والمحسوبية.

وفي المقابل، يواجه كل من يرفض هذا الاستعمار الداخلي وينادي بالتغيير الجذري والبنيوي، سيلًا من النعوت القاسية والألفاظ العنصرية البغيضة التي تسعى لنفي وطنيته وتجريده من كرامته الإنسانية، وعليه فإن هذا السلوك يعكس رغبة دفينة لدى عصابة المركز في اختزال الوطن بأكمله في شخوصها ومصالحها الضيقة وحدودها الجغرافية، معتبرة نفسها الأصل والسيادة، ومتعاملة مع بقية شعوب الأقاليم السُّودانية في دارفور، وكردفان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، والشرق والوسط بتعالي واعتبارهم توابع وأجانب غرباء لا يستحقون الهوية الوطنية إلا في حال خنوعهم التام لها.

تاريخية الإساءة من ” النكد والعبيد” إلى “عرب الشتات” و”أولاد الضيف”

لا ينفصل الخطاب العنصري الحالي لعصابة جيش النظام البائد عن الإرث التاريخي الممتد منذ حرب جنوب السودان قبل الانفصال، فقد استدعت نخب المركز ذات النعوت الإقصائية كوصم المواطنين بـ”النكد والعبيد” إبان ثورة التحرر الوطني بقيادة الدكتور جون قرنق آنذاك، ثم تطورت هذه الإساءات لتطال سكان جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور بوصفهم بـ”الحشرات” منذ ثورات يوسف كوة مكي وداؤد يحي بولاد ودكتور خليل إبراهيم والرفيق الشهيد/ إبراهيم الزبيدي، ووصولًا إلى الذروة الحالية من الفرز العنصري السافر، جراء قهر وعنف جهاز الدولة الذي وقع عليهم جسديًا ولفظيًا ومعنويًا ووجوديًا وإنسانيًا، حيث يبرز الخطاب السياسي لقادة السلطة الحالية ليؤكد هذا الانحطاط، بدءاً من حديث البرهان حول “ديل ما بشبهونا” و”الوجوه الغريبة” وقوانينها وصولاً إلى مناداة ياسر العطا لمكونات سودانية أصيلة بألفاظ ساقطة من شاكلة “عرب الشتات” و”أولاد الضيف”.

إن هذه التوصيفات الرخيصة جاءت كنتاج مباشر للصدمة العسكرية والسياسية التي تلقتها هذه العصابة في الميدان، مما دفعها للجوء إلى استخدام أقذر أدوات التحريض الاجتماعي والتفتيت الأهلي، فهذا الاستخدام السافر يؤكد النوايا الحقيقية لهذه الطغمة التي لا ترى في الدولة سوى نفسها، وترفض الاعتراف بأن الشعوب المتواجدة في نطاق قوى التأسيس والتغيير هم سودانيون أصلاء، ولهم الحق الكامل غير المشروط في إدارة وتشكيل مستقبل وطنهم دون وصاية من نخب أدمت العيش على دماء وتهميش الآخرين.

شروط التبعية والولاء…!!

الغريب في الأمر، تكمن المفارقة في اختزال الوطن لدى نخب المركز بوضوح حول كل من أنشق أو خرج من الطرف الآخر وانضم إليهم خانع صاغر ذليل ليصبح عندهم وطني غيور وابن بلد أصيل وسوداني عريق تعزف له الموسيقى وترفع له الرايات ويمنح المنازل والسيارات والزواج مثني وثلاث ورباع.

والمقابل ….

كل من ناهض سياساتهم وطالب بقيام دولة العدالة والمساواة وحارب ظلمهم ورفض هيمنتهم صار “عب وحشرة ونكد” وأجنبي تشادي.

فهل حضن الوطن يعني لديهم الإرتماء في أحضان مؤسسة الجلابة، والعمل تحت إمرتها، وتنفيذ سياساتها، والإذعان الي قراراتها، والركوع إلي إرادتها، والولاء إلي توجهاتها والإنقياد الأعمى لتوجيهاتها… ؟

هل المقصود

“بالعودة إلي حضن الوطن” التخلي عن المطالبة بحقوق الشعوب السُّودانية المهمشة، التي تهدف نيل حريتها وتنأضل لإنتزاع كرامتها والحصول على لقمة عيش شريف ومياه شرب نظيف ومستشفى طبي حديث وفصل دراسي مريح.

 

هل حضن الوطن هو مثلث حمدي وعمامة علي كرتي أم هو جلباب أسامة عبدالله وصديري عمسيب الوهمي…؟

 

هل حضن الوطن هو أن تكون مستلب لصالح الثقافة الآحادية المركزية وتصير خادم طائع وعسكري بندقجي أغبش أو غسال ومكوجي أو بائعة شاي أو عامل نظافة في المراحيض وجمع جرادل التغوط…!!

 

أم حضن الوطن هو بأن تكون ماسح بلاط سرايا قصر كامل إدريس المنيف أو غاسل أواني وعفش المصباح.

 

ببساطة شديدة، يريدونك في حضن الوطن المزعوم بأن تكون مساهم ومنتج لتمويل “مؤسسة الجلابة” كـ مزارع في أعلى جنائن سفوح “جبل مرة” أو راعي أبقار وأغنام وإبل في سهول البقارة أو في جبال النوبة أو مراعي الأنقسنا أو في وادي باري وتخوم وادي هور وعتمور النجارة.

 

أو مهمش يعمل على طق أشجار الهشاب في كردفان الغرة لاستخراج الصمغ العربي أو مزارع فول سوداني في رمال حسكنيتة وأم سعونة وقوز دنقو أو قاطف قطن مشروع الجزيرة أو قاطع سمسم القضارف.. !!

 

أو تعمل “عتالي” ضمن كلأت موانئ عثمان دقنة” لتقل وتحمل على ظهرك النحيف والنحيل بضائعهم وتفرغ سفنهم التي ذهبت بتصدير ذهبك وثرواتك الحيوانية والزراعية وعادت محملة بأثاثات منازلهم الفاخرة ومفارش مكاتبهم الفاخمة وأرتال سياراتهم الفارهة.

 

وكذلك

من المُمكن أن تكون سودانيًا خالصًا عندما تصبح مقاتلا في صفوف قواتهم وخاضع كليًا لإملاءتهم.

 

ولكن ومن المفارقات …!!

فلا يمكن ولا يجب ولا يجوز لك ان تكون سودانيًا على الإطلاق عندما تكون مفكر ثوري تحرري أو مقاتل مناضل في صفوف قوى الثورة والتأسيس لأنك ببساطة تقاتل لهدم دولتهم دولة الظلم والمحسوبية والعنصرية وتريد بناء دولة المواطنة بلا تمييز وهذا من المحظورات، بل هو من الممنوعات والمحرمات التي لا يجوز لأبناء الهوامش الطرفية والساكنين بعيد عن مركز السلطة المركزية المهيب…

أوهام السيادة الجهوية والعنصرية، أي حضن وطن تدّعون…؟

تطرح هذه الممارسات البالغة الخطورة والحساسية تساؤلات جوهرية ومصيرية حول مفهوم المواطنة والسيادة في السودان، فهل تمتلك نخبة المركز حقوق مواطنة حصرية دون بقية السودانيين…؟

وهل بات لزامًا على الإنسان السوداني أن يكون تابعًا منقادًا لسياسات أنظمة الجلابة لكي يتم الاعتراف بهويته ووطنيته…؟

إن الحقيقة العارية تفيد بأن هذه العصابة فقدت كل مقومات السيادة الوطنية والأخلاقية، وهي تمارس الابتزاز القومي عبر احتكار مؤسسات الدولة وتوظيفها لإلغاء الآخر ونفيه سياسيًا واجتماعيًا بمجرد وقوفه في خندق الثورة والتأسيس الجديد.

ماذا تمتلك نخبة المركز من حقوق وطنية أكثر من بغية السودانيين حتى ينسب لها الوطن والانتماء لتجعل الأغلبية يشعرون بالاغتراب السياسي والاجتماعي….؟

بأي حق

تكون لها الأفضلية المطلقة في حكم البلاد والاستحواذ على الثروات ….؟

هل لأنهأ تملك كفاءة إدارية استثنائية خصها بها الله من دون العالمين باعتبار أنها تتفوق على الآخرين بالأخلاق والعدل وقيمة الحق الفضيلة والتزكية السماوية… !!!

هل تمتلك تفويض رباني لحكمنا وقيادتنا للأبد، بينما الحقيقة تؤكد أنه لا وجود لتفويض إلهي يمنح جماعة أو نخبة عرقية أو جغرافية حق الوصاية الأبدية على مصائر الشعوب.

هل تمتلك من “كنوز سدرة المنتهى” ما يؤهلها لإحتكار والقرار والمقدرات العامة وتكديس الأموال في أيدي فئة محدودة ….!!

هل تتماز بصفات الأنبياء والمرسلين مما ينفي عنها أي عصمة سلوكية أو تنزيه قيادي يضعها فوق النقد والمساءلة، أم هي البراغماتية والميكافيلية… !!

هل كُتب لها في “اللوح المحفوظ” أن تحكم السودان لغاية نزول المسيح، فالأنظمة السياسية تُصنع وتتغير بإرادة الشعوب وعبر عقود اجتماعية مدنية، وليست قدرا مكتوبا لا يمكن الفكاك منه.

وعليه فإنّ

الجوهر الحقيقي للأزمة الانتهازية والهيمنة و”حب الآنا” للسيطرة والإستئثار بالثروات والقرارات لهو محركها الأوحد، وهنا يكمن التوصيف الحقيقي والمباشر لواقع الأزمة السودانية إذ إن استمرار هذا الوضع قد كان بفعل آليات السيطرة، واستخدام أدوات العنف، وإعادة إنتاج المحسوبية، وتغليب المصلحة الذاتية الضيقة (حب الأنا) على حساب المصلحة الوطنية العليا، مما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار العقد الاجتماعي وتفكك مؤسسات الدولة.

وتظهر المفارقة الصارخة هنا في التباين الكامل بين مشروعين سياسيين متناقضين في الغايات والوسائل، إذ أن مشروع عصابة بورتسودان قائم على عدم الاعتراف بأي سوداني يختلف معه فكريًا أو سياسيًا وتستبعده وتنفيه وتلغي وطنيته هذه العصابة وكأنها هي الدولة لوحدها.

وفي الإتجاه الآخر

تقف قوى التغيير التي تسعى لتأسيس دولة العيش المشترك والمصير المشترك القائمة على العدالة والمساواة التامة، بعيدًا عن التمييز، والتفرقة، والجهوية البغيضة، من أجل إنهاء حقبة الاستعلاء وصناعة وطن يتسع للجميع كأصلاء لا كأتباع، بتخليص السودانيين والسودانيات من هذا العبث التاريخي.

إليك سلسلة من الجراحات والجرائم والانتقام على النحو التالي وهو:

أولا..الإنتقامات التي تلت مقتل الاستاذ/ محمد طه محمد أحمد رئيس تحرير صحيفة الوفاق

في سبتمبر 2006 قامت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الحركة الإسلامية (حكومة الإنقاذ آنذاك)، بإنتهاكات إنتقائية واسعة حيث استهدفت بشكل مباشر المواطنين والتجار المنحدرين من إقليم غرب السودان (دارفور وكردفان) تحت ذريعة التحقيقات المسبقة والاتهامات السياسية والاعتقالات التعسفية ذات التركيز الإثني والاعتقال على الهوية إذ شنت الأجهزة الأمنية حملات مداهمة واسعة في أحياء الخرطوم استهدفت المواطنين على أساس العرق والمنطقة الجغرافية (غرب السودان) واحتجاز المئات منهم واقتيادهم إلى مقار جهاز الأمن والمخابرات وبيوت الأشباح دون توجيه تهم قانونية فورية مع التعذيب الجماعي وتعرض المعتقلون لعمليات تعذيب جسدي ونفسي قاسية لانتزاع اعترافات قسرية حول القضية المحاكمات الجائرة انتهت تلك الحملة بمحاكمة مثيرة للجدل أسفرت عن إعدام 10 من أبناء دارفور عام 2009، وسط تشكيك واسع من منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية في نزاهة الإجراءات وعدالة المحكمة والممارسات ضد تجار السوق المركزي والشعبي الخرطوم

مع مداهمة الأسواق، حيث اقتحمت القوات الأمنية “السوق المركزي الخرطوم” و”السوق الشعبي الخرطوم” باعتبارهما مراكز تجمع رئيسية للعمال والتجار القادمين من غرب السودان مع تخريب ونهب الممتلكات الي صاحبتها حملات الاعتقال عمليات إتلاف للبضائع، ومصادرة الدردقات مما أدى إلى شل حركة البيع والشراء واستهداف مصادر رزق المستضعفين والتهجير القسري المبطن الأمر الذي أجبر العديد من العمال والتجار على إخلاء مواقعهم ومغادرة العاصمة خوفاً من الاعتقال أو التصفية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية للانتهاكات حيث استغل نظام الحركة الإسلامية الحاكم مقتل الصحفي محمد طه محمد احمد لتكثيف الضغط على الحواضن الاجتماعية للحركات المسلحة في دارفور، والتي كانت تخوض نزاعاً مسلحاً ضد الحكومة مما قاد إلي الشحن العنصري وقد ساهمت الآلة الإعلامية للنظام في تلك الفترة في إذكاء خطاب الكراهية والتمييز ضد أبناء الغرب بـ الخرطوم، وصورتهم كمهددين للأمن الاستقرار.

ثانيا..انتقام الفلول ضد مواطني غرب السودان عقب دخول قوات الشهيد خليل إبراهيم امدرمان

شهدت الخرطوم وأمدرمان حملة انتهاكات واسعة واستهدافا عرقيا ممنهجا قادته الأجهزة الأمنية التابعة لنظام المؤتمر الوطني (الحركة الإسلامية) عقب هجوم حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم (عملية الذراع الطويل) في العاشر من مايو 2008م وركزت الأجهزة الأمنية حينها على الانتقام والترهيب عبر آليات التصنيف العرقي وملاحقة المواطنين على الهوية، حيث تتخلص أبرز الممارسات والانتهاكات التي رصدتها المنظمات الحقوقية والتقارير المحلية على النقاط التالية، وهي الاستهداف العرقي والاعتقالات التعسفية الاعتقال بالهوية والملامح حيث شنت الأجهزة الأمنية حملات تمشيط واسعة في شوارع أمدرمان اعتمدت فيها على ملامح الوجه والزي لاعتقال أي شخص ينحدر من أصول أو قبائل غرب السودان (دارفور وكردفان) ومداهمة المجمعات السكنية في ضاحية عد حسين واسكانات امدرمان وامبدات والثورات، وكما جرى اقتحام داخليات طلاب الجامعات، ومساكن العمال الهامشيين، والأحياء الطرفية لغرب أمدرمان التي تقطنها غالبية من نازحي الغرب، واعتقال الآلاف دون مذكرات قضائية، فضلا عن الاختفاء القسري والتعذيب، ونُقل المعتقلون إلى مقار جهاز الأمن والمخابرات وما عُرف بـ “بيوت الأشباح”

حيث تعرضوا لتعذيب قاسٍ لإجبارهم على الاعتراف بصلتهم بالهجوم، وتحولت صالات الحجز إلى أماكن تكدس مأساوية، اضافة إلي الممارسات ضد تجار وأسواق أمدرمان واستهداف سوق ليبيا والسوق الشعبي، حيث يُعد سوق ليبيا والسوق الشعبي أمدرمان عصب التجارة لرجال الأعمال والتجار القادمين من غرب السودان.

لذلك، ركزت السلطات حملاتها الانتقامية هناك عبر إغلاق الأسواق ومصادرة البضائع بحجة البحث عن “خلايا نائمة” أو أسلحة مخبأة مع ممارسة النهب والابتزاز المالي، إذ تعرضت محلات تجارية تابعة لأبناء دارفور لعمليات تخريب ونهب منظم من قِبل عناصر أمنية ومجموعات موالية للنظام، إلى جانب ابتزاز التجار مالياً لإطلاق سراح أبنائهم أو استعادة ممتلكاتهم المحتجزة، مما أدى إلي تدمير سبل العيش بشلل تجاري كامل وإفلاس مئات التجار الصغار في هذه الأسواق بعد تصنيفهم سياسياً وعرقياً كحواضن داعمة لحركة خليل إبراهيم

وقد جرت المحاكمات الصورية والإعدامات في “محاكم الطوارئ العسكرية” حيث أنشأ النظام محاكم إيجازية خاصة افتقرت لأدنى معايير المحاكمة العادلة، قامت باصدار أحكام الإعدام بالجملة، صدرت أحكام بالإعدام شنقاً حتى الموت ضد أكثر من 100 شخص من الأسرى والمواطنين المقبوض عليهم، نُفذت تباعاً في سجن كوبر وسجون أخرى وسط تنديد حقوقي دولي واسع.

ثالثا جريمة الحرمان من الوثائق الثبوتية

إذ تُمثل سياسة الحرمان من الوثائق الثبوتية والجنسية التي انتهجتها العصابة القائمة في بورتسودان عام 2024 سلوكا إقصائيا مرفوضا، قوبل بإدانات واسعة وتجريم حقوقي محلي ودولي ويُعد هذا الإجراء انتهاكا صارخا للمواطنة وسلاحا سياسيا غير قانوني يعاقب المدنيين جماعيا على أساس الهوية أو الجغرافيا تحت ذريعة الانتماء كـ”حواضن الدعم السريع” وإن حرمان المواطن من إثبات هويته هو شروع في محو وجوده القانوني، وجريمة تخالف كافة العهود والمواثيق الدولية الإنسانية، وعقاب جماعي ومخالفة للدستور، وخرق القوانين الدولية، ومخالفة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يحظر حرمان أي شخص من جنسيته تعسفيا، الأمر الذي جعلها سلاح سياسي نسبة لاستخدام الأوراق الرسمية كأداة حرب لتصفية الحسابات السياسية وتفتيت النسيج الاجتماعي مما يهدد الاستقرار والسلم الأهلّي مستقبلاً بالتمييز الجهوي والقبلي وتكريس خطاب الكراهية وتقسيم المواطنين على أسس عرقية وجهوية خطيرة وحرمان من الحقوق الأساسية ومنع المدنيين من السفر، التعليم، العلاج، والمعاملات المالية نتيجة غياب الهوي وغياب السند القانوني

 رابعا. عنصرية المركز في قانون الوجوه الغريبة

يحق لنا أن طرح سؤال هنا، هل الوجوه الغريبة المقصودة بهذا المسخ هي وجوه جن وشياطين أم وجوه بشر عاديين فقط جريرتهم بأنهم ينحدرون من غرب السودان….!!!

حيث

يُعد “قانون الوجوه الغريبة” مصطلحا أمنيا يشير إلى نمط من التفتيش والاعتقال العشوائي القائم على الاشتباه والتمييز العرقي والمناطقي، خاصة ضد المواطنين المنحدرين من إقليم دارفور، كردفان، وجبال النوبة عندما يتواجدون في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا جيش النظام البائد.

ويترافق هذا النمط مع حملة موازية لمحاكمة المئات من أبناء هذه الأقاليم بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع أو تمثيل “حواضن اجتماعية” وأبرز الممارسات والانتهاكات المرتبطة بـ “الوجوه الغريبة”الاعتقال والاحتجاز التعسفي تمثلت في توقيف الالاف من المواطنين فور وصولهم إلى مدن مثل بورتسودان، ودنقلا، أو الولايات الشمالية ونهر النيل ومدني والرهد وام روابة وسنجة وسنار وغيرها، بناءً على ملامحهم أو لهجاتهم دون وجود أدلة جنائية ملموسة.

فقط الاعتماد على المظهر واللون والبلاغات الكيدية وشبهة الانتماء، حيث تتخذ “ضدهم” فورا قرارات التوقيف بناءً على تقارير المخبرين أو الاشتباه العرقي الخالص.

وتقديمهم إلي محاكمات الإرهاب السريعة، إذ تتم إحالة الموقوفين إلى محاكم مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة، وتوجيه تهم ثقيلة لهم تحت مواد القانون الجنائي السوداني لعام 1991 (مثل المواد 50 و51 المتعلقة بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة) المعاقب عليها بالإعدام شنقاً حتى الموت أو السجن المؤبد لمدنيين وعمال ومغتربين عائدين عبر الموانئ والمطارات مع غياب ضمانات المحاكمة العادلة وحرمان المتهمين في كثير من الأحيان من الحق في الدفاع القانوني الكافي، أو محاكمتهم في بيئة أمنية مشحونة تغيب عنها الشفافية.

والمؤلم حد الوجيع هو:

إن هذه المحاكمات والاعتقالات تتم بناءً على التسييس والتحيز، أي أنها “محاكمات سياسية” ذات صبغة جنائية شكلية، تفتقر إلى أدنى مقومات الشفافية والعدالة تعمل على شرعنة التمييز العرقي والإثني ضد المواطنين.

سقوط الأقنعة وانكشاف عورات المركز

لقد سقط القناع تماما، وانتهى زمن الخديعة التاريخية التي مارستها نخب المركز في السودان،

فلم يعد هناك متسعٌ للمواربة أو تجميل الواقع، فالوعي الجمعي لمجاميع الشعوب السودانية استيقظ “دفعة واحدة” على حقيقة مُرّة طال كتمانها، ومفادها أن شعارات “العودة إلى حضن الوطن” و”الوحدة الجاذبة” لم تكن سوى شِباك صياد ماكر ومساحيق زينة لإعادة إنتاج نظام الامتيازات القديم، ومن هنا ومستقبلاً، تبدّدت أوهام العاطفة السياسية، ولن تجد الحيل المكشوفة مكاناً تُصرف فيه بعد الآن.

إذ أنْ

تاريخ السودان الحديث هو تاريخ الفرص الضائعة بسبب البنية الذهنية لنخب المركز، فهذه النخب أدمنت إدارة الأزمات بدلا من حلها، وتفننت في تصدير الوعود البراقة لإسكات الهوامش والأقاليم كلما شعرت بزلزال تحت أقدامها.

وكما إن شعار “العودة إلى حضن الوطن” ما هو إلا أداة تخديرية لاستعطاف القوى الحية وتجريدها من مطالبها العادلة، ضمن معادلة صفرية يربح فيها المركز دائما وتخسر فيها بقية السودان، من خلال الاستغلال الأيديولوجي والسياسي في توظيف التنوع السوداني الفريد كوقود للحروب والصراعات البينية بدلاً من كونه مصدر قوة، فهذا التشخيص يقودنا إلى قناعة راسخة، إن النخبة التي عجزت عن بناء دولة المواطنة على مدار عقود، والآن لا تمتلك الأهلية الأخلاقية ولا السياسية لقيادة قاطرة المستقبل، وميزان القوى الجديد هو الوعي الشعبي وهو القائد للتحول الجذري ، ولقد تيقنت القواعد الجماهيرية في كل أقاليم السودان أن استدامة التهميش وتبديد الموارد هما نتاج مباشر للثقة العمياء في وعود الخرطوم السياسية.

نهاية التبعية

لقد انقطعت حبال الوصل التي كانت تسمح للمركز بسوق الجماهير نحو صناديق الاقتراع أو جبهات القتال بشعارات جوفاء، وقامت

الندية السياسية، فلم تعد قوى التأسيس اليوم أن تطلب “مكرمة” أو “ترضيات” أو “حقائب وزارية” هامشية، بل تقوم بإعادة هيكلة الدولة جذريا ووضع النقاط على الحروف في خريطة طريق الحل الجريء.

 

الخميس: 28 مايو 2026م

تاني عيد الأضحى المبارك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!