
نجم الدين دريسة
الرجالُ لا يُقاسون بطول أعمارهم، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في ضمير أوطانهم
لم يكن الشهيد أسامة حسن حسين مجرد اسمٍ عابر في دفتر الفقد السوداني المثقل بالدموع، ولا رقمًا جديدًا يُضاف إلى قوائم الغياب الطويلة، بل كان معنىً قائمًا بذاته؛ فكرةً تمشي على قدمين، وصوتًا صادقًا خرج من قلب المعاناة ليُدافع عن وطنٍ يستحق الحياة، وعن شعبٍ يستحق العدالة، وعن مستقبلٍ لا مكان فيه للاستبداد ولا لسطوة الأيديولوجيا العمياء.
جاء رحيله الغادر على نحوٍ يفضح طبيعة القاتل أكثر مما يعبّر عن قوة السلاح؛ إذ لم تُوجَّه آلة الموت إلى جبهة قتال، ولا إلى موقعٍ عسكري، بل إلى منزل رجلٍ مدني، حمل موقفًا لا بندقية، وحمل رؤيةً لا متراسًا، وآمن بأن السياسة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صراعًا على السلطة. وهنا تتكثف المأساة كلها: أن يُستهدف رجلٌ مثل أسامة لأنه كان يملك ما تخشاه قوى الظلام أكثر من الرصاص، أي الفكرة الواضحة، والموقف النظيف، والقدرة على إلهام الناس.
لقد كان أسامة، كما تشهد سيرته في وجدان من عرفوه، واحدًا من أولئك النادرين الذين يجمعون بين رجاحة العقل ونبل السلوك. كان سياسيًا حصيفًا، يقرأ المشهد بعينٍ نافذة، ويزن مواقفه بميزان الحكمة، دون أن يفقد حرارة الانحياز لقضايا الناس. لم يكن من أصحاب الضجيج العالي والعبارات الجوفاء، بل من أولئك الذين يفرضون حضورهم بصدقهم، ويتركون أثرهم بوضوح رؤيتهم، ويكسبون احترام الناس لأنهم يشبهونهم، لا لأنهم يتعالون عليهم.
وإذا كان كثيرون يدخلون السياسة من أبواب الطموح الشخصي، فإن أسامة دخلها من باب الواجب. كان يدرك أن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا للاستهلاك، بل معركة طويلة تحتاج إلى رجالٍ ثابتين، لا تُغريهم المكاسب ولا تُرهبهم التهديدات. لذلك ظل قريبًا من الناس، منحازًا إلى المهمشين، مؤمنًا بأن السودان لا يُبنى بالقهر، ولا يُدار بالعقائد المغلقة، بل ينهض على قاعدة الحرية والمساواة وكرامة الإنسان.
إن اغتياله بهذه الصورة لم يكن حادثًا عابرًا، ولا خطأً يمكن تفسيره بارتباك الحرب، بل بدا فعلًا كاشفًا عن إفلاسٍ أخلاقي وسياسي عميق. فالجهات التي تضيق بصوتٍ مدني أعزل إلى هذا الحد، وتلاحق صاحب موقف داخل منزله، إنما تعلن خوفها الصريح من البديل الوطني، ومن السياسة حين تكون نظيفة، ومن الحلم حين يصبح مشروعًا قابلًا للحياة. لقد أرادوا إسكات رجل، لكنهم في الحقيقة منحوه خلودًا لا تملكه إلا الأرواح الكبيرة.
أسامة لم يكن قائدًا في موقعٍ تنظيمي فحسب، بل كان قيمةً إنسانيةً عالية؛ دمث الخلق، صادق السريرة، قريبًا من رفاقه، بسيطًا في معاشه، كبيرًا في مواقفه. كان ممن يتركون في النفوس طمأنينةً نادرة، لأنهم لا يناورون في الحق، ولا يساومون على القضايا الكبرى، ولا يبدّلون وجوههم بتبدل المراحل. ولهذا فإن خسارته ليست خسارة أصدقاءٍ وأهلٍ ورفاق فقط، بل خسارة وطنٍ بأكمله، كان في أمسّ الحاجة إلى أمثال هذا الرجل.
ومع ذلك، فإن العزاء الحقيقي في سيرة كهذه أن الجسد وحده هو الذي يغيب، أما الفكرة فلا تُغتال، والأثر لا يُمحى، والرجال الذين يعيشون لأوطانهم لا ينتهون بالموت، بل يبدأ حضورهم الأوسع بعد الرحيل. سيبقى أسامة حسن حسين شاهدًا على أن القتلة قد يملكون السماء للحظة، لكنهم لا يملكون التاريخ، ولا يستطيعون أن يمنعوا الأرض من أن تُنبت، من دم الشهداء، ألف معنىً جديد للحياة والكرامة والمقاومة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.




