
خضر كوة
حين يتحول الادعاء الحقوقي إلى أداة للاستقطاب السياسي
تابعنا باهتمام البيان الصادر مؤخراً عما يُسمى بـ”الحراك المدني لشعب جبال النوبة” بشأن الأوضاع في منطقة كاودا، وما تضمّنه من اتهامات وتحريض سياسي ومحاولات مكشوفة لتشويه الحقائق وتقديم رواية انتقائية للأحداث الجارية في جبال النوبة، عبر خطاب يفتقر إلى الحياد والموضوعية والمصداقية التي يفترض أن تلتزم بها المنابر المدنية والحقوقية.
ومنذ البداية، نؤكد بصورة واضحة أن هذا الكيان لا يمثل شعب جبال النوبة، ولا يحظى بأي تفويض شعبي أو سياسي أو مدني معروف داخل الإقليم أو وسط مكونات النوبة المختلفة. كما أنه لا يُعرف بوجود تنظيمي حقيقي على الأرض، وإنما يمثل مجموعة محدودة من الأفراد الذين ظلوا يتحركون في الفضاء الإعلامي والسياسي بعيداً عن الواقع الميداني ومعاناة المجتمعات المحلية.
إن القراءة الموضوعية للصراع السوداني الراهن تكشف أن الأزمة الحالية ليست منفصلة عن الإرث الطويل للدولة المركزية التي أعادت إنتاج نفسها عبر المؤسسة العسكرية وشبكات الإسلام السياسي المرتبطة بها. ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب يسعى إلى تبرير استمرار الحرب، أو تشويه القوى المناهضة للاستبداد، أو إثارة الانقسامات داخل مجتمعات الهامش، لا يمكن عزله عن السياق السياسي الأوسع الذي تسعى من خلاله قوى الإسلام السياسي إلى استعادة نفوذها وإجهاض أي مشروع وطني ديمقراطي قائم على العدالة والمواطنة المتساوية.
وبالعودة إلى البيانات والمواقف السابقة الصادرة عن هذه المجموعة، يتضح وجود نمط متكرر من الاستهداف السياسي والإعلامي للجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، وللقوى المطالبة بالحقوق التاريخية لشعوب جبال النوبة والمناطق المهمشة. كما تكشف تلك المواقف عن انسجام لافت مع الخطاب الذي يخدم استمرار الحرب ويقوض فرص التحول الديمقراطي والسلام المستدام.
وتشير معطيات متداولة على نطاق واسع وسط قطاعات من أبناء النوبة والجاليات السودانية بالخارج إلى أن هذا الجسم لا يمتلك حضوراً جماهيرياً يُعتد به داخل جبال النوبة، وأن نشاطه يقتصر بصورة أساسية على المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما تثار تساؤلات جدية حول طبيعة علاقاته السياسية ومصادر دعمه وتوجهاته الفعلية، في ظل التوافق المتكرر بين خطابه وأجندات القوى المرتبطة بالحرب وإعادة إنتاج السلطة المركزية.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض الأصوات المرتبطة بهذه المجموعة درجت على توظيف الخطاب الإنساني والحقوقي كغطاء سياسي لتسويق روايات غير موثقة، والاستناد إلى معلومات تفتقر إلى التحقق المستقل أو الشواهد الميدانية الموثوقة، الأمر الذي يفرض ضرورة إخضاع تلك الادعاءات للفحص والتدقيق المهني، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا النزاع المسلح وحماية المدنيين.
إن العمل الحقوقي والمدني الحقيقي يقوم على الاستقلالية والشفافية والنزاهة المهنية، ولا يجوز تحويله إلى أداة للتحريض السياسي أو لتغذية الانقسامات المجتمعية أو لخدمة أجندات حزبية وأيديولوجية ضيقة. كما أن القانون الدولي الإنساني يجرّم نشر المعلومات المضللة والتحريض الذي يؤدي إلى تأجيج النزاعات المسلحة أو تعريض المدنيين للخطر أو إطالة أمد الحروب.
ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية ووسائل الإعلام إلى التعامل بمسؤولية مع المعلومات والبيانات الصادرة عن أي جهة تدّعي تمثيل المجتمعات المحلية، وإخضاع تلك المعلومات لمعايير التحقق المهني والاستقلالية والمصداقية قبل اعتمادها أو البناء عليها.
كما نؤكد أن تحقيق السلام العادل والشامل في جبال النوبة وفي السودان عموماً لن يتم عبر حملات التشويه الإعلامي أو صناعة الخصومات والانقسامات، وإنما من خلال الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب، وترسيخ مبادئ العدالة والمحاسبة، وإطلاق حوار سياسي مسؤول يعالج جذور الأزمة التاريخية ويضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات الأيديولوجية والحزبية الضيقة.
إن شعوب السودان التي دفعت أثماناً باهظة من الدماء والمعاناة تستحق مستقبلاً يقوم على الحرية والسلام والكرامة الإنسانية، لا مستقبلاً تصنعه خطابات التحريض والاستقطاب وتزييف الوعي.
المجد لشعوب السودان المناضلة من أجل الحرية والسلام والعدالة، والخذلان لكل من يسهم في إشعال نيران الحرب أو استثمار مآسي المواطنين لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.




