رأي

ما بين خطاب القائد وتحديات الواقع

د. إخلاص قرنق

 

د.اخلاص قرنق

جاء خطاب القائد محمد حمدان دقلو بمناسبة عيد الأضحى هذه المرة مختلفاً في نبرته وتوقيته ورسائله، ليس فقط لأنه خاطب شعباً أنهكته الحرب، بل لأنه حاول أن يضع الجميع أمام سؤال مصيري: إلى أين يمضي السودان؟

فالبلاد التي كانت يوماً سلة غذاء إفريقيا أصبحت اليوم ساحة مفتوحة للموت والنزوح والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. ملايين السودانيين يعيشون بين لهيب الحرب ومرارة الفقر وانعدام أبسط مقومات الحياة من كهرباء ومياه نظيفة وتعليم محترم ورعاية صحية تحفظ الكرامة الإنسانية. أما أبناء الطبقات البسيطة فقد وجدوا أنفسهم خارج معادلة الدولة، بينما ما تزال الامتيازات محفوظة لأبناء البرجوازية والنخب المتنفذة.

وسط هذا الواقع خرج خطاب القائد حاملاً دعوة واضحة للسلام، وإنهاء الحرب، والاحتكام إلى صوت العقل، وهي الرسالة التي بدت للكثيرين وكأنها محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الوطن. لم يكن الخطاب احتفالياً بقدر ما كان اعترافاً ضمنياً بحجم الكارثة التي يعيشها السودان، ورسالة سياسية تقول إن استمرار الحرب يعني استمرار انهيار الدولة نفسها.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في الجهة الأخرى من المشهد؛ فبينما تُرفع دعوات السلام، ما تزال قيادات داخل الجيش المرتبطة بالحركة الإسلامية تتحدث بلغة الحرب المفتوحة، وتعلن صراحة أنهم سيواصلون القتال “حتى آخر سوداني من الجيش”، وكأن الإنسان السوداني أصبح وقوداً لمشروع سياسي لا يعترف بحجم المأساة.

وهنا يظهر التناقض العنيف بين خطاب يبحث عن مخرج سياسي، وخطاب آخر يرى في استمرار الحرب وسيلة للبقاء والنفوذ، حتى وإن احترق السودان بأكمله.

ولعل أكثر ما أربك خصوم الدعم السريع خلال الأيام الماضية ليس الخطاب وحده، وإنما ظهور عدد من القادة المدنيين والعسكريين في مدينة نيالا لتقديم المعايدة للقائد، وفي مقدمتهم اللواء عثمان عمليات، الرجل الذي أطلقت حوله الشائعات طويلاً. فقد حاولت غرف الإعلام التابعة للفلول تصوير اختفائه وكأنه نتيجة خلافات داخلية وصراع مع القيادة، لكن ظهوره العلني بدد تلك الروايات وأعاد خلط الأوراق من جديد.

إن ظهور عثمان عمليات لم يكن مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل حمل رسائل سياسية وأمنية واضحة، أهمها أن كثيراً من الروايات التي تُدار عبر الإعلام والحملات الإلكترونية ليست سوى محاولات لصناعة واقع نفسي موازٍ للحقيقة على الأرض.

الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت أيضاً حرب روايات وشائعات وتضليل إعلامي، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت صورة معينة داخل وعي الجماهير. لكن الواقع الميداني كثيراً ما يكشف هشاشة تلك السرديات.

ومع ذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس من ظهر ومن اختفى، ولا من انتصر إعلامياً، بل: ماذا تبقى للشعب السوداني؟

فالسوداني البسيط لا تعنيه كثيراً خطابات التخوين أو الانتصارات الوهمية، بقدر ما يعنيه أن يعود إلى منزله آمناً، وأن يجد مدرسة لأطفاله، ومستشفى لمرضاه، ورغيف خبز لا يُشترى بالذل، وكهرباء لا تنقطع، وماءً نظيفاً لا يهدد حياته.

لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً لصراعات السلطة والأيديولوجيا، وأصبح واضحاً أن استمرار الحرب لن ينتج دولة، بل سيعمق الانقسام ويقود إلى مزيد من التشظي والانهيار.

لهذا فإن أي خطاب سياسي اليوم لا يُقاس بحدة الشعارات، وإنما بقدرته على وقف نزيف الدم وإعادة بناء الوطن على أسس العدالة والمواطنة والسلام الحقيقي.

ما بين خطاب القائد وتحديات الواقع، يقف السودان عند مفترق طرق خطير؛ إما أن ينتصر صوت العقل، أو يستمر الجميع في السير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!