رأي

النُّخْبَةُ النِّيلِيَّةُ حِينَ تَخُونُ لَحْظَةَ الحَقِيقَةِ: قِرَاءَةٌ فِي خِطَابِ صُمُود

د.خالد عبيد ،، لندن

 

د.خالد عبيد ،،لندن 

في الدول التي تعرف معنى الدولة، لا التي وُلدت ناقصة السيادة ومشوّهة الإرادة، لا يُترك الأمن القومي نهبًا للمساومات، ولا تُدار لحظات الخطر بالعقلية الرمادية، ولا يُسمح للنخب أن تختبئ خلف اللغة الملساء بينما الدم يسيل في الشوارع. حين تتدخل دولة أجنبية سافرًا في الشأن الداخلي، وحين يُفتح الباب واسعًا أمام الوصاية الإقليمية، تتوحد القوى الوطنية، لا حبًا في السلطة، بل خوفًا على الكيان. هذا ما تفعله الدول العظمى. أما في “دويلة 56”، فالأمر مختلف تمامًا: تتنازع النخب، تتواطأ تحت الطاولة، وتُترك الشعوب وحدها في مواجهة الجحيم.

ما جرى ويجري في السودان ليس استثناءً من هذه القاعدة البائسة، بل تجسيدها الأكثر فجاجة. فبينما كانت رائحة التدخل المصري تسبق الدبابات، وكانت القاهرة تحرّض بلا مواربة على الحرب، وتتعامل مع السودان كحديقة خلفية لا كشريك سيادي، كانت القوى المدنية، وعلى رأسها تحالف “تقدم” ثم “صمود”، تعلم كل ذلك علم اليقين، لكنها اختارت الصمت، أو بالأحرى اختارت خطابًا معقّمًا لا يزعج العسكر ولا يقطع مع الإسلاميين ولا يضع مصر في قفص الاتهام. صمتٌ لم يكن حيادًا، بل كان شراكة غير معلنة في الجريمة.

كان المطلوب، منذ الطلقة الأولى، موقفًا واضحًا لا يحتمل التأويل: تسمية الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا مسؤولًا عن تفجير الحرب، وفضح الدور المصري المحرّض، وتوحيد المجتمع حول خطاب أخلاقي حاسم. لكن “تقدم” و”صمود” فشلتا فشلًا ذريعًا، لا لضعف الإمكانيات، بل لانحياز البوصلة. ونتيجة هذا الفشل، دفع الشعب السوداني الثمن دمًا ونزوحًا وانهيارًا شاملًا، بينما ظلت النخبة تتجادل في الصالونات حول “التوازن” و”عدم الاستقطاب”، وكأن الدم يمكن موازنته، وكأن الجريمة تحتمل الحياد.

إن صمود، في نسختها الراهنة، ليست مجرد تحالف مدني مرتبك، بل هي تعبير مكثف عن النخبة النيلية في أسوأ تجلياتها: نخبة تتحدث باسم السودان كله، بينما تكوينها وعددها ونفوذها يعكس الشمال النيلي عددًا ونسبة، لا السودان بتعدده الحقيقي. صمود تصلي خلف علي وتأكل من موائد معاوية؛ ترفع شعارات العدالة وهي تمارس الإقصاء؛ تتباكى على الهامش بينما تعيد إنتاج المركز بوجوه شابة وخطاب حداثي زائف.

السؤال الذي يتهربون منه دائمًا هو السؤال الجوهري: هل تعكس صمود التباين الإثني في السودان؟ أم أنها مجرد نسخة “مدنية” محسّنة شكليًا من دويلة 56؟ كيف لتحالف يدّعي تمثيل الشعب أن يضم في قيادته ثلاثة أشخاص من قبيلة واحدة، بينما يُترك بقية السودان في خانة التمثيل الرمزي؟ ولماذا هذا العجز المزمن عن تجديد الذات، وعن توسيع الدائرة لتشمل من دفعوا الثمن الحقيقي للحرب، لا من اعتادوا التفاوض باسمهم؟

اليوم، تتعرّى صمود بلا حاجة لخصومها. تكفي أسماؤها، وتحركات قياداتها، وتناقض مواقفها. ففي الوقت الذي يقبع فيه طه عثمان في الإمارات، عاجزًا عن الحركة، يتمكن الواثق البرير، وصديق الصادق، وشوقي عبد العظيم، وشهاب الطيب، ومدني عباس من استخراج جوازاتهم بسهولة، ويطير بعضهم إلى المؤتمرات الدولية، يتحدثون باسم شعبٍ محاصر، ويتآمرون ويأتمرون، ويعيدون تدوير سردية خبيثة تساوي بين الدعم السريع والبرهان والحركة الإسلامية الإرهابية، وكأن من أشعل الحرب ومن دافع عن نفسه سواء، وكأن الجريمة وجهة نظر.

والأكثر دلالة أن صمود، في نسختها الأولى، هي ذاتها التي ثار أنصارها غاضبين على وجود محمد حسن التعايشي في صفوفها، لا لأنه أخطأ سياسيًا، بل لأنه كسر احتكار النخبة النيلية لتمثيل “المدنية”، وذكّرهم بأن السودان ليس ناديًا مغلقًا، ولا إرثًا عائليًا، ولا امتيازًا تاريخيًا.

أما حديث البرهان الأخير عن صمود، فلا ينبغي أن يُقرأ بسذاجة. هذا ليس عداءً حقيقيًا، بل لعبة قذرة: تصعيد لفظي في العلن، وتلميع في الخفاء، تمهيدًا لقبول صمود كواجهة مدنية “مقبولة” في تسوية قادمة. والزيارة التي قام بها عبد الله حمدوك لعلي الحاج ليست حدثًا عابرًا، بل إعلان تطبيع صريح مع الإسلاميين، مهما حاولت البيانات الملتوية تزيينه بلغة “الحوار” و”الاستماع”. فالسياسة لا تُقاس بالنوايا، بل بالرموز، وهذه الرموز كانت أوضح من أن تُنكر.

ويبقى السؤال الأكبر، والأكثر خطورة: هل تقف مصر خلف هذا السيناريو الفطير؟ التاريخ يقول نعم. فمصر، كلما واجه السودان لحظة مفصلية، استدعت نخب الشمال النيلي لتتحدث باسمه، وأقصت أصحاب الوجع الحقيقي. فعلت ذلك مع الحركة الشعبية قبل المائدة المستديرة، وكررته في اتفاقيات السلام، ثم شاهدنا جميعًا كيف حنثت نخب الشمال النيلي بالعهود، وأفرغت الاتفاقيات من مضمونها، وأعادت إنتاج المركزية ذاتها، مع تغيير الأسماء فقط.

إن لم تغيّر صمود نهجها الإقصائي، وإن لم تمتلك شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها، وإن لم تكف عن حمل العصا من منتصفها، فهي لا تختلف جوهريًا عن خصومها الذين تدّعي معارضتهم. ستكون مجرد نسخة غير محسّنة من دويلة 56، بربطة عنق مدنية، وخطاب حقوقي، وجوهر سلطوي قديم. والتاريخ، كما أثبت مرارًا، لا يرحم النخب التي تخون لحظة الحقيقة، ولا يمنح الغفران لمن اختاروا الصمت في زمن الدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!