رأي

السودان وعضوية الاتحاد الأفريقي.. حين يحاول الانقلاب تزييف التاريخ

السفير عادل ابراهيم مصطفي

 

 السفير عادل إبراهيم مصطفي 

في وقتٍ يواصل فيه الاتحاد الأفريقي تمسّكه بقراره القاضي بتعليق عضوية السودان، يحاول ممثلو سلطة الانقلاب في الخارج تبرير ما لا يُبرَّر، عبر سردياتٍ متهافتة تتنكر لثورة ديسمبر المجيدة ولشرعيتها الراسخة في وجدان الشعب والتاريخ.

في هذا السياق، صدرت تصريحاتٌ عن سفير سلطة بورتسودان الانقلابية لدى أديس أبابا، وصف فيها قرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي بأنه لا يستند إلى الميثاق الأفريقي للحكم والديمقراطية، بزعم أن السودان لم يكن تحت حكومةٍ منتخبة ديمقراطيًا فجر يوم 25 أكتوبر 2021. كما دعا السفير إلى رفع تعليق عضوية السودان بعد تشكيل حكومةٍ مدنية برئاسة الدكتور كامل إدريس.

وبحسب موقع السودان اليوم، جاءت هذه التصريحات خلال لقاءٍ عقده السفير بمقر الاتحاد مع مدير ديوان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.

إنّ تصريحات سفير الانقلاب تمثل نموذجًا صارخًا لمحاولات لَيِّ عنق الحقيقة وإعادة كتابة الأحداث بما يخدم انقلاب 25 أكتوبر 2021. وإلا فكيف يمكن لانقلابٍ عسكريٍّ هدف إلى إجهاض ثورة ديسمبر المجيدة، وتعطيل عملية التحول الديمقراطي، وإعادة النظام الذي رفضه الشعب وثار عليه، أن يكون عملاً منسجمًا مع ميثاق الحكم الرشيد والديمقراطية في أفريقيا؟!!

أما حديث السفير عن أن السودان لم يكن تحت حكومةٍ منتخبة ديمقراطيًا حين وقع الانقلاب، فليس سوى ذريعةٍ واهية لتبرير ما لا يُبرَّر. إنه قولٌ مضحك في جوهره، ومحاولةٌ بائسة لإضفاء مشروعيةٍ زائفة على سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.

في الواقع، يعلم القاصي والداني أن حكومة الدكتور عبد الله حمدوك استمدّت شرعيتها من ثورة ديسمبر المجيدة، باعتبارها حكومةً مدنية تمخّضت عن نضال الشعب السوداني وتضحياته، ووجدت تأييدًا شعبيًا واسعًا واعترافًا إقليميًا ودوليًا غير مسبوق. فقد جاءت لتقود عملية التحول نحو الحكم الديمقراطي، وتجسّد شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة، وفي مقدمتها تفكيك منظومة التمكين التي رسّخها نظام الثلاثين من يونيو، الذي حكم البلاد بالاستبداد والفساد لثلاثة عقود.

وبرغم العراقيل التي وضعها المكوّن العسكري أمامها، حققت حكومة الثورة إنجازاتٍ تاريخية، أبرزها إعادة إدماج السودان في المجتمعين الإقليمي والدولي، ورفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى جانب إعفاء جزءٍ من ديونه الخارجية، وفتح آفاقٍ جديدة للتنمية والشراكة الدولية.

أما الحكومة التي يرأسها الدكتور كامل إدريس اليوم، والتي يعتبرها سفير الانقلاب حكومةً شرعية، فهي في حقيقتها نتاجٌ مباشر لانقلاب 25 أكتوبر، الذي أغرق البلاد في دوامةٍ من الأزمات والانقسامات، وأشعل الحرب الحالية التي اندلعت في الأساس لإعادة إنتاج النظام القديم بعد فشل الانقلاب في تحقيق ذلك. وقد أثبتت تجربة هذه الحكومة عجزها الكامل على مختلف الأصعدة، وفي مقدمتها فشلها الدبلوماسي في وقف تراجع مكانة السودان الدولية وتقلّص حضوره الإقليمي، حتى غدا ممثلوها أصواتًا نشازًا تبرّر ما لا يُبرَّر.

من هنا، فإن قرار الاتحاد الأفريقي بتعليق عضوية السودان لم يكن عقوبةً سياسية أو استهدافًا لدولةٍ بعينها، بل انسجامًا تامًا مع مبادئ الاتحاد ومقرراته التي تنصّ على تعليق عضوية أي دولةٍ يحدث فيها انقلابٌ عسكري. لقد جاء القرار دفاعًا عن الديمقراطية، وحمايةً لمسار الحكم الرشيد في القارة، بعد أن تسببت الانقلابات المتكررة في تعطيل التنمية وعرقلة الاستقرار لعقودٍ طويلة.

إن تمسّك الاتحاد الأفريقي بموقفه من الانقلابات يمثل أحد أنبل إنجازاته التاريخية، ويجب عليه أن يعضّ عليه بالنواجذ حتى لا يفقد مصداقيته الأفريقية والدولية، فيتحوّل إلى كيانٍ ينقض غزله بيديه.

ختامًا، فإن ما يحاوله سفير الانقلاب لدى أديس أبابا، ومن يقف وراءه، لا يعدو كونه مسعىً يائسًا للالتفاف على الحقيقة وتزييف التاريخ. فثورة ديسمبر المجيدة، بما حملته من وعيٍ وسلميةٍ وإرادةٍ شعبيةٍ أصيلة، أثبتت أنها أقوى من كل محاولات التضليل والطمس، وأن شرعيتها لا تُمنح ببياناتٍ دبلوماسية، ولا تُسلب بانقلاباتٍ عسكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!