واجهة التنظيم.. عندما تُستغل اللافتة العسكرية لنهب الدولة ورهن السيادة
سليمان عبد المجيد ود الشيخ

سليمان عبد المجيد ود الشيخ
يخطئ من يظن أن الأزمة الممتدة في السودان تكمن في سوء إدارة عابر أو أخطاء تقديرية مجردة، كما يخطئ من يسبغ صفة “الوطنية” على بنية تُدار قراراتها الاستراتيجية بعقول غير قياداتها الميدانية. إن الحقيقة الشاخصة التي لم تعد قابلة للتجميل تتجسد في واقع صريح ومؤلم: نحن أمام بنية عسكرية جرى اختطافها بالكامل وتدجينها من قبل تنظيم الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية)، ليتحول هذا الكيان المسلح من حارس مفترض للوطن إلى ذراع مُسخرة لحماية أيديولوجيا محددة، وتأمين بقاء التنظيم، وتمرير أجندات إقليمية على حساب تطلعات الشارع السوداني.
إن جوهر المشهد يتجاوز مجرد ارتهان القرار السياسي للتنظيم؛ إذ يمتد ليمس عمق البنية الاقتصادية والوجودية للبلاد. لقد جرى سلب مقدرات الشعب السوداني وتحويلها بعناية إلى سيولة مالية صُبّت في شرايين شركات استثمارية خاصة وحسابات خارجية لبعث الحياة في إمبراطورية “الكيزان”. غير أن الأزمة أعمق من النهب المالي؛ فهذا الكيان ظل، على مدى قرن من الزمان، عرضة للاختراق والارتهان للأجندات الأيديولوجية والخارجية، حتى بات مثقلاً بانتهاكات لا حد لها ضد المواطنين العزل، جاعلاً تاريخه سفيراً لمعاناة الشعب بدلاً من حمايته.
وبسبب هذا الاختطاف العقائدي والتاريخ المظلم من الانتهاكات، لم يمارس هذا الهيكل المسلح دور الحامي للوطن ومقدراته، بل ظل أداة حصرية لتأمين مصالح التنظيم. لقد وضعت القيادة الواقعة تحت سيطرة الإخوان كافة إمكانيات الدولة والتسهيلات السيادية في خدمة هذا المشروع الضيق، ليظل التنظيم ممسكاً بمفاصل الحياة ومتحكماً في المصير الوطني، دون أدنى اعتبار للنتائج الكارثية والدماء الزكية التي دفعها ولا يزال يدفعها الشعب السوداني جراء هذه الحروب والانتهاكات المتكررة.
إن التوصيف الدقيق للأزمة يقتضي الجرأة في إسقاط الشرعية الزائفة: إن الخلل لا يكمن في انحراف مؤقت، بل في منظومة عسكرية باتت خاضعة بالكامل لسيطرة تنظيم عقائدي يوجه قرارات الحرب والسلم وفق مصالحه التنظيمية. وهنا يفرض السؤال المفصلي نفسه وبقوة: إلى متى تُستغل لافتة “الجيش” كغطاء مضلل لنهب أموال الشعب السوداني، والتغطية على الجرائم والانتهاكات، ورهن الإرادة الوطنية لصالح تنظيم أيديولوجي لا يرى في الوطن سوى ساحة للتمكين؟
إن معركة التغيير الجادة والاستحقاق الوطني الحقيقي يتطلبان بوضوح تجريد القيادة الحالية من أي ادعاء بالوطنية، والعمل الجاد على إنهاء سطوة تنظيم الإخوان المسلمين. إن الإبقاء على هذا الكيان المأزوم لم يعد خياراً ممكناً؛ إذ لا يمكن الحديث عن بناء دولة مدنية أو حماية المواطنين بوجود بنية مثقلة بقرن من الارتهان والجرائم. إن الحل الناجع يكمن في التأسيس لكتاب جديد كلياً، عبر بناء جيش وطني جديد يُولد من رحم تطلعات الشعب، يستمد عقيدته من حماية الأرض والحدود والمواطن، وتكون مهمته حراسة السيادة بعيداً عن ارتهانات التنظيمات وأجندات المحاور.




