
محمد الحلو يكتب من كمبالا
تُعد مدينة كمبالا عاصمة أوغندا وأكبر مدنها، كما تمثل القلب الاقتصادي والمالي للبلاد. مدينة تتزين بالخضرة والأمطار والطبيعة الساحرة، حيث نجحت في تحقيق توازن لافت بين التمدن والبيئة الطبيعية، ما يجعلها واحدة من أجمل مدن شرق إفريقيا.
خلال فترة المعايدة التي قضيتها وسط الأهل والأصدقاء، كانت اللقاءات والزيارات والوجبات المشتركة فرصة لتبادل الأحاديث والنقاشات. وكالعادة، كان للشأن السياسي السوداني نصيب من تلك الجلسات. لكن ما لفت انتباهي أكثر من السياسة هو التغيير الذي طرأ على كثير من السودانيين الذين استقروا في أوغندا بعد اندلاع الحرب.
بدت على وجوه الناس ملامح مختلفة؛ ابتسامات حاضرة، وهدوء نفسي واضح، وقدر أكبر من التفاؤل. وربما يعود ذلك إلى عوامل عديدة، من بينها جمال الطبيعة واعتدال المناخ والاستقرار النسبي الذي يعيشه المجتمع الأوغندي. والمقارنة هنا لا تستهدف التقليل من السودان أو أهله، وإنما تسلط الضوء على تأثير البيئة العامة في حياة الإنسان ومزاجه اليومي.
فالإنسان السوداني بطبيعته إنسان اجتماعي وبشوش، لكنه ظل لسنوات طويلة يواجه تحديات متراكمة؛ من أزمات سياسية متلاحقة، وصراعات مسلحة، وتدهور اقتصادي، إلى جانب قسوة المناخ في كثير من المناطق وما يرافقها من مشقة في تفاصيل الحياة اليومية.
أما الشعب الأوغندي، فقد وجدته شعبًا بسيطًا ومتعاونًا، يتعامل بهدوء وتلقائية. كما أن الزائر لا يشعر بقدر كبير من التمييز بين الناس في تعاملاتهم اليومية، وهي سمة تترك أثرًا إيجابيًا لدى الوافدين.
ومن المفارقات التي كشفتها الحرب أن آلاف السودانيين الذين اضطروا إلى الهجرة نحو دول الجوار الإفريقي بدأوا يكتشفون بصورة مباشرة العمق الإفريقي الذي ينتمي إليه السودان تاريخيًا وجغرافيًا وثقافيًا. فقد أتاحت لهم التجربة الاحتكاك بشعوب وثقافات كانت قريبة منهم جغرافيًا، لكنها بعيدة عن دائرة الاهتمام والمعرفة لدى كثيرين.
وفي المقابل، لا تزال بعض النخب السودانية متمسكة برؤية ثقافية أحادية، تسعى إلى تقديم هوية واحدة للسودان على حساب تنوعه الواسع. وهو ما انعكس لعقود طويلة في الإعلام والدراما والخطاب الثقافي العام، حتى أصبح السودان في بعض الأحيان ينظر إلى نفسه من خلال مرآة الآخرين أكثر من نظره إلى واقعه وتاريخه وتنوعه الحقيقي.
إن التصالح مع الانتماء الإفريقي لا يعني التخلي عن أي مكون ثقافي آخر، بل يعني الاعتراف بحقائق التاريخ والجغرافيا والتعامل معها بثقة وموضوعية. فالسودان لم يكن يومًا بلدًا أحادي الهوية، وإنما تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل بين ثقافات وأعراق ومجموعات متعددة صنعت شخصيته الفريدة.
وربما يكون من أهم الدروس التي فرضتها الحرب على السودانيين أنها دفعتهم إلى إعادة اكتشاف أنفسهم ومحيطهم الإقليمي. فالمستقبل لا يُبنى بالهروب من الواقع أو بالبحث عن هويات مستعارة، وإنما ببناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتحترم تنوعهم، وتؤسس لعلاقة متوازنة مع محيطها الإفريقي والعربي على حد سواء.
لقد كانت كمبالا بالنسبة لكثير من السودانيين أكثر من مجرد محطة لجوء مؤقتة؛ كانت نافذة جديدة لفهم الذات وإعادة قراءة الهوية والانتماء من زاوية مختلفة .




