رأي

أرهاصات الانفجار

الصادق المأمون (كجيرة )

 

الصادق المأمون (كجيرة )

منذ تسعينيات القرن الماضي كانت مؤشرات الانفجار الكبير في السودان تتشكل بصورة متراكمة. فالمتابع للتحولات الاجتماعية والسياسية آنذاك كان يلحظ حالة من التململ العميق أشبه ببركان يغلي تحت السطح في انتظار لحظة الانفجار. وقد تنبّه عدد من المفكرين والسياسيين السودانيين إلى هذه المؤشرات مبكراً؛ إذ أشار الصادق المهدي في إحدى خطاباته إلى حالة الاحتقان الناتجة عن عدم إنصاف الكتلة السكانية ذات الثقل العددي في البلاد، كما حذّر حسن الترابي من اتساع ما عُرف بـ«الحزام الأسود» المحيط بالعاصمة الخرطوم، في إشارة إلى الأحياء الشعبية التي تقطنها أعداد كبيرة من أبناء الأقاليم والهامش السوداني.

ولم تكن هذه التنبيهات وحدها كافية للدلالة على الانفجار القادم، فقد جاء «الكتاب الأسود» بوصفه محاولة جريئة لطرح قضية اختلال موازين السلطة والثروة في السودان وفتح النقاش حولها بصورة مباشرة. غير أن تلك المحاولة لم تجد التفاعل المطلوب، بسبب حالة الريبة التي كانت تسود قطاعات واسعة من أبناء الهامش تجاه الحركة الإسلامية، التي وُجّهت إليها اتهامات بالوقوف خلف إصدار الكتاب آنذاك.

مثّلت ثورة ديسمبر 2018 متنفساً سياسياً واجتماعياً لذلك الاحتقان المتراكم. فقد انطلقت شرارتها من الأقاليم قبل أن تمتد إلى مختلف أنحاء البلاد، معبّرة عن رفض الظلم والتهميش، وعن تطلع السودانيين إلى بناء دولة مدنية قادرة على معالجة الاختلالات البنيوية التي ظلت ترافق الدولة منذ الاستقلال. وجسّد شعار الثورة: «حرية، سلام، وعدالة» هذه التطلعات، كما أظهر الوعي الشعبي الرافض لخطابات الكراهية والعنصرية التي غذّت الانقسامات الاجتماعية لعقود. وبذلك نجحت الثورة، ولو مؤقتاً، في امتصاص جزء من الطاقة الكامنة لذلك الاحتقان التاريخي.

غير أن التباينات العميقة التي كشفتها الثورة سرعان ما تحولت إلى أكبر التحديات أمام عملية الانتقال السياسي. فقد أصبحت قضايا إصلاح المؤسسة العسكرية، وتفكيك التمكين، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة والمساءلة، ملفات شديدة الحساسية تمس مصالح قوى نافذة داخل النظام السابق. وعندما تعثرت عملية الانتقال، وتصاعد الصراع حول مستقبل السلطة والدولة، تهيأت الظروف لانفجار الأزمة بصورة أكثر عنفاً. وهكذا تحولت التناقضات التي ظلت تتراكم لعقود إلى حرب مدمرة، دفع الشعب السوداني ثمنها الأكبر من أمنه واستقراره ومستقبله.

الصادق ادم المامون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!