رأي

مجلس الأمن في مواجهة «لن يوقفنا»… هل يدخل السودان مرحلة العقوبات الأوسع؟

سيبويه يوسف

سيبويه يوسف

لم تكن تصريحات الفريق أول ياسر العطا، التي قال فيها إن مجلس الأمن «لن يستطيع إيقافنا»، مجرد عبارة في خطاب عسكري؛ فقد جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بينما تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى جلسة مرتقبة لمجلس الأمن بشأن السودان خلال سبتمبر، وفي وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على طرفي الحرب بسبب استمرار القتال واتساع استخدام الطائرات المسيّرة ضد أهداف مدنية. وتزداد دلالة التوقيت مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، وهي الذكرى التي ارتبطت في الذاكرة السياسية الأمريكية بملف تنظيم القاعدة وعلاقة النظام السوداني السابق بالإسلاميين واستضافة أسامة بن لادن في السودان خلال تسعينيات القرن الماضي. لكن من المهم عدم الخلط بين الأمرين مجرد انعقاد جلسة لمجلس الأمن في 10 سبتمبر، إن تأكد الموعد، لا يعني أنها جلسة مرتبطة بأحداث 11 سبتمبر. العلاقة هنا سياسية وزمنية أكثر منها قانونية أو إجرائية. غير أن تزامن الملفات يمنح النقاش حول السودان حساسية إضافية، خصوصاً في واشنطن. من «لا يستطيع إيقافنا» إلى سؤال ماذا يستطيع المجلس أن يفعل؟ العطا قال بوضوح إن مجلس الأمن لن يستطيع إيقاف الجيش، مضيفاً أن المعركة المقبلة ستكون واسعة جواً وبراً. المشكلة في هذه الرسالة أنها تأتي في لحظة مختلفة تماماً عن بدايات الحرب. ففي أغسطس الماضي، دفعت الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن باتجاه تشديد العقوبات على طرفي الحرب وتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل السودان كله، بما في ذلك الأسلحة والتقنيات المرتبطة بالطائرات المسيّرة.

 

واليوم، تأتي تصريحات العطا بينما قدمت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة تقريراً جديداً قالت فيه إن أكثر من ألف شخص قتلوا في ضربات المسيّرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، وإن الهجمات طالت مستشفيات ومدارس وأسواقاً ومواقع للنازحين، واتهمت طرفي الحرب بانتهاكات خطيرة للقانون الدولي قد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب. هنا تحديداً تتغير طبيعة السؤال. لم يعد السؤال الدولي فقط من يسيطر على الخرطوم؟ بل أصبح من يملك القدرة على ضرب المدنيين من مسافات بعيدة؟ ومن يزوّد بالسلاح الكيماوي والتكنولوجيا؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول المسيّرات إلى وسيلة لضرب الأسواق والمستشفيات ومناطق النزوح؟

 

ملف المسيّرات قد يكون مدخل العقوبات

 

حتى الآن يظل حظر السلاح الأممي الخاص بالسودان مرتبطاً أساساً بدارفور، مع نظام عقوبات يشمل حظر السفر وتجميد الأصول على أشخاص مدرجين في قائمة العقوبات. لكن الضغط يتجه إلى تغيير هذه المعادلة. فالولايات المتحدة دعت إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، كما سبق لمجموعة السبع والاتحاد الأوروبي أن دعوا مجلس الأمن إلى توسيع الحظر، ووقف الدعم العسكري والمالي الخارجي للأطراف المتحاربة. والتطور الأخطر أن تقرير الأمم المتحدة الأخير لم يعد يتحدث عن حرب داخلية مغلقة؛ بل عن شبكات إمداد خارجية للسلاح والطائرات المسيّرة والمقاتلين والتدريب، مع ورود أسماء دول في المنطقة ضمن التحقيقات، مع تأكيد بعضها رفض الاتهامات. وهذا يفتح الباب أمام مجلس الأمن لاتخاذ موقف لا يستهدف فقط المقاتلين، وإنما سلاسل الإمداد التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار.

 

الإسلاميون و11 سبتمبر…

 

 

في مارس 2026 صنفت الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين السودانية/الحركة الإسلامية السودانية كـ«إرهابية عالمية مصنفة»، وأدرجت لواء البراء بن مالك ضمن قوائمها ذات الصلة بالإرهاب. كما أن هذه الخطوة جاءت في سياق أمريكي أوسع لإعادة فتح ملف علاقة الإسلاميين السودانيين بالعنف ودورهم السياسي والعسكري في الحرب. لكن ليس دقيقاً القول إن الولايات المتحدة صنفت المؤتمر الوطني السوداني نفسه كمنظمة إرهابية بموجب القرار المشار إليه. الأدق أن الولايات المتحدة استهدفت الحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء بن مالك، بينما يظل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ملفين متداخلين تاريخياً وسياسياً، لكنهما ليسا في القانون الأمريكي شيئاً واحداً. وهذا التفريق مهم؛ لأن المقال الصحفي لا ينبغي أن يحول التاريخ السياسي للنظام السابق إلى حكم قانوني أمريكي لم يصدر.

 

أما ذكرى 11 سبتمبر، فهي تستحضر تاريخاً حقيقياً السودان كان في التسعينيات موطناً لأسامة بن لادن، وكانت العلاقة بين نظام عمر البشير والتيار الإسلامي أحد الملفات التي دخلت في حسابات السياسة الأمريكية تجاه الخرطوم. لكن أحداث 11 سبتمبر نفسها وقعت عام 2001، أي قبل أكثر من عقدين، ولا يجوز بناء علاقة سببية مباشرة بينها وبين جلسة مجلس الأمن المقبلة. التزامن هنا سياسي ورمزي، وليس دليلاً على وجود أجندة سرية للجلسة.

 

تشاد تدخل المشهد

 

التطور الذي قد يعطي جلسة مجلس الأمن بعداً إقليمياً أكبر هو انتقال آثار الحرب السودانية إلى داخل الأراضي التشادية. فقد اتهمت تشاد الجيش السوداني بشن ضربات جوية ومسيرات داخل أراضيها، وقالت إن إحدى الضربات استهدفت منطقة تبعد أكثر من 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية. كما اتهمت نجامينا السودان بضرب موقع قرب الحدود أدى، وفق السلطات التشادية، إلى سقوط قتلى وجرحى. الخرطوم رفضت الاتهام وطالبت بالتحقيق. وهنا يتحول السودان من ملف حرب أهلية إلى ملف أمن إقليمي. فمجلس الأمن لا ينظر فقط إلى ما يحدث داخل الدولة، وإنما إلى اللحظة التي تبدأ فيها الحرب بتهديد حدود دولة أخرى أو زعزعة استقرار دول الجوار. وتزداد أهمية تشاد في الحسابات الدولية بسبب موقعها الجغرافي، ووجود مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين على أراضيها، فضلاً عن التقارير الأممية التي بحثت في مسارات إمداد عسكرية مرتبطة بالحرب السودانية عبر المنطقة.

في لحظة حساسة تتولى فرنسا رئاسة مجلس الأمن خلال سبتمبر، وهي ليست دولة محايدة تماماً في الملف السوداني؛ فقد أعلنت بوضوح دعمها لحماية المدنيين، والوصول الإنساني، والمحاسبة، والعودة إلى مسار سياسي مدني.

 

والأكثر أهمية أن الموقف الفرنسي المعلن يتضمن بالفعل دعم توسيع حظر الأسلحة من دارفور إلى كامل السودان. كما تقول باريس إنها تؤيد محاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية وتدعم عمل بعثة تقصي الحقائق والمحكمة الجنائية الدولية. وفي يونيو، شاركت فرنسا مع دول غربية أخرى في التحذير من الهجمات على الأبيض، مؤكدة أن ضربات المسيّرات التي تطال المدنيين والبنية التحتية الإنسانية يجب أن تتوقف، وأن على طرفي الحرب احترام القانون الدولي الإنساني. لكن رئاسة فرنسا للمجلس لا تعني أن باريس تستطيع فرض قرار. الرئاسة تمنحها قدرة مهمة على إدارة البرنامج، الدعوة إلى الاجتماعات، وتسهيل صياغة المواقف، لكنها لا تلغي حق الدول الخمس دائمة العضوية في استخدام الفيتو. لذلك فإن المعركة الحقيقية ستكون في صياغة القرار وفي الموقف الروسي والصيني، وليس في المنصة الفرنسية وحدها. ماذا يمكن أن يحدث في سبتمبر؟ لا يمكن التنبؤ بقرار نهائي قبل معرفة مشروع القرار وتوازنات الدول الأعضاء، لكن مسار الأحداث يسمح برسم أربعة احتمالات

 

الاحتمال الأول بيان سياسي قوي. إدانة تصاعد الهجمات على المدنيين، الدعوة إلى وقف القتال، حماية المنشآت المدنية، وتسهيل المساعدات الإنسانية. وهذا هو السيناريو الأقل كلفة سياسياً على أعضاء المجلس.

 

الاحتمال الثاني توسيع العقوبات. وهنا يصبح الاقتراح الأمريكي بتوسيع حظر السلاح إلى كامل السودان هو الاختبار الحقيقي. إذا حدث ذلك فسيكون تطوراً كبيراً، لأنه ينقل العقوبات من إطار دارفور إلى الحرب السودانية كلها.

 

الاحتمال الثالث عقوبات فردية وشبكات إمداد. قد يتجه المجلس إلى استهداف قادة أو أفراد أو كيانات مرتبطة بتمويل الحرب وتوريد السلاح والمسيّرات، بدلاً من فرض عقوبات شاملة. وهذا السيناريو قد يكون أكثر قابلية للتوافق.

 

الاحتمال الرابع تصعيد دبلوماسي بلا قرار ملزم. وهو السيناريو الذي يجب ألا نستبعده. فقد ينتهي الاجتماع بإدانة قوية ودعوات للتهدئة، لكن من دون توافق على عقوبات جديدة، بسبب الخلافات بين الدول دائمة العضوية.

 

ماذا تعني تصريحات العطا إذاً؟

 

إذا قرأنا تصريح العطا سياسياً، وليس عسكرياً فقط، فهو يحمل رسالة إلى الداخل والخارج الحرب ستستمر حتى تحقيق الأهداف العسكرية، بغض النظر عن الضغط الدولي. لكن المجتمع الدولي قد يقرأ الرسالة بصورة مختلفة إذا كان أحد طرفي الحرب يقول إن مجلس الأمن لن يستطيع إيقافه، بينما تقول التقارير الأممية إن المدنيين يُقتلون بالمسيرات وإن الأسلحة والتكنولوجيا تتدفق إلى طرفي الصراع، فإن النتيجة الطبيعية داخل المجلس قد تكون إذا لم يستجب المتحاربون للضغط السياسي، فليزد الضغط الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي. وهنا تصبح عبارة «لن يوقفنا مجلس الأمن» ليست نهاية القصة، وإنما ربما بداية السؤال الأصعب ماذا يستطيع مجلس الأمن أن يفعل إذا قرر أن الاكتفاء بالبيانات لم يعد كافياً؟

 

السودان أمام لحظة مختلفة

 

الحرب السودانية تدخل سبتمبر وهي تحمل أربعة ملفات متداخلة فحرب داخلية لم تتوقف، حرب مسيّرات تحصد المدنيين، اتهامات بتدفق السلاح من الخارج، وحرب بدأت تتجاوز الحدود إلى تشاد. وفي الوقت نفسه، دخلت الولايات المتحدة في مواجهة سياسية جديدة مع التيار الإسلامي السوداني عبر تصنيفات الإرهاب، بينما تتحرك فرنسا داخل مجلس الأمن باتجاه حماية المدنيين وتوسيع حظر السلاح، وتدعو القوى الغربية إلى مسار سياسي مدني. لهذا فإن جلسة سبتمبر ــ سواء انعقدت في 10 سبتمبر أو في موعد آخر يثبته البرنامج الرسمي ــ لن تكون مجرد جلسة جديدة عن السودان.

 

قد تكون اختباراً لما إذا كان المجتمع الدولي سينتقل من سياسة التحذير إلى سياسة الضغط. أما الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى السودانيين، فهي أن مجلس الأمن لا يحتاج إلى «إيقاف الجيش» أو «إيقاف الدعم السريع» بالمعنى المباشر. ما يستطيع فعله هو أن يجعل كلفة استمرار الحرب أعلى عبر العقوبات، وحظر السلاح، وتجفيف التمويل، وملاحقة شبكات الإمداد، والضغط على الدول الداعمة، وربط المسار السياسي بحماية المدنيين والمساءلة. وهنا تحديداً قد تكون أخطر قراءة لعبارة العطا أن يكتشف أطراف الحرب، بعد فوات الأوان، أن المجتمع الدولي لا يحتاج إلى إيقاف الحرب بالقوة؛ يكفيه أن يضيّق المساحة التي تستطيع الحرب أن تتحرك فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!