رأي

بين التاريخ والمصالح أرض الحرمين والسودان

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

لا تُقاس العلاقات بين الدول بحجم المصالح وحدها، بل بعمق التاريخ ووزن الثقة التي تراكمت عبر الزمن. فالدول مثل البشر لا تُفهم فقط من لحظاتها الراهنة، بل من ذاكرتها الممتدة وما صنعته من روابط وتجارب ومواقف. وحين تكون هذه الذاكرة طويلة ومتشابكة، تصبح العلاقة أكثر من مجرد توازن مصالح، بل مساحة من الثقة والاختبار المستمر لمعنى الشراكة والاستقرار.

بين السودان والمملكة العربية السعودية تاريخ طويل تشكل من قوافل الحجاج وروابط الدين والهجرة والعمل والتبادل الإنساني والثقافي. تاريخ لا يمكن اختزاله في لحظة سياسية عابرة ولا في جدل إعلامي عابر.

وفي كل موسم حج تتجدد صورة المملكة في وعي كثير من السودانيين بوصفها دولة استطاعت أن تبني منظومة خدمات متقدمة تحفظ كرامة الإنسان وتضع احتياجاته في قلب أولوياتها. حتى الأخبار الإنسانية البسيطة مثل تواصل وزير صحة مع أسرة حاج مريض للاطمئنان عليه تتحول في الوعي السوداني إلى سؤال كبير عن معنى الدولة ودورها تجاه الإنسان.

وفي المقابل يعيش السودان واحدة من أعقد مراحله التاريخية. حرب لم تدمر البنية التحتية فقط بل أعادت تشكيل الدولة والمجتمع معاً ودفعت البلاد إلى نقطة تحول لا يمكن اعتبارها امتداداً لما قبلها، بل بداية مرحلة جديدة بالكامل تختلف في شروطها وواقعها وضروراتها.

هذا التحول يفرض حقيقة أساسية وهي أن ما قبل الخامس عشر من أبريل لم يعد هو ما بعده، وأن التعامل مع السودان اليوم بعقلية ما قبل الحرب لم يعد ممكناً ولا واقعياً، لأن طبيعة الدولة نفسها تغيرت تحت ضغط الصراع والانهيار المؤسسي.

كما أن التغيير السياسي في جوهره ليس حالة استثنائية، بل هو سنة من سنن التاريخ في معظم الدول، حيث تنتقل الأمم من مرحلة إلى أخرى، أحياناً عبر التطور التدريجي وأحياناً عبر الصدمات الكبرى. وفي كل الحالات تبقى الشعوب هي العنصر الثابت بينما تتغير أنماط الحكم وموازين السلطة.

وفي امتداد هذا الفهم للتغيير، لا يمكن النظر إلى التحولات السياسية في السودان كحالة منفصلة عن التاريخ السياسي العالمي. فالدول، مهما اختلفت أنظمتها واستقرت أو اهتزت، مرت عبر مراحل طويلة من التحول وإعادة تشكيل أنماط الحكم، وتبدلت فيها طبيعة السلطة وأدواتها عبر الزمن. وفي هذا السياق يصبح السودان جزءاً من هذا المسار الإنساني العام وليس استثناءً خارجه.

ومن هنا فإن السؤال ليس لماذا يحدث التغيير، بل كيف يتم استيعابه والتعامل معه ضمن سياقه الطبيعي. فالتاريخ السياسي لا يعرف الجمود، بل يقوم على فكرة الانتقال المستمر من مرحلة إلى أخرى، حتى في أكثر الدول استقراراً، وإن اختلفت أشكال هذا الانتقال وسرعته ووسائله.

وبالتالي فإن افتراض عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب لم يعد افتراضاً واقعياً، لأن طبيعة الواقع السياسي والاجتماعي والمؤسسي قد تغيرت بالفعل. والتأقلم مع هذا التحول، سواء بشكل مباشر أو تدريجي، هو مسار تفرضه حقائق الواقع وليس الرغبات السياسية.

وفي السياق السوداني لا يمكن تجاهل أن البلاد عاشت لفترات طويلة تحت أنظمة لم تؤسس علاقاتها الخارجية دائماً على قاعدة الندية والمصالح المتوازنة، بقدر ما كانت تلك العلاقات امتداداً لحسابات السلطة وبقائها، لا لمصالح الدولة والشعب. وهذا النمط جعل السودان أكثر عرضة للاهتزاز في موقعه الإقليمي وأضعف قدرته على بناء علاقات مستقرة وطويلة المدى.

وقد أدى ذلك إلى تراكم اختلالات في موقع السودان الإقليمي وإلى فقدان جزء من قدرته على صياغة علاقاته الخارجية من موقع القوة والتوازن لا من موقع الحاجة والاضطرار.

وفي خضم هذا المشهد تظهر أحياناً روايات وتسريبات إعلامية متداولة تُنسب فيها مواقف أو أدوار لجهات إقليمية مختلفة من بينها المملكة العربية السعودية. ومع أن هذه الروايات لا ترقى إلى مستوى الحقائق الموثقة إلا أنها تعكس حجم الضبابية التي تحيط بالمشهد السوداني وغياب الوضوح الذي يسمح بتعدد التأويلات.

وهنا لا يكون السؤال عن طرف بعينه، بل عن طبيعة البيئة السياسية نفسها وكيف يمكن لعلاقات بهذا العمق التاريخي أن تترك مساحة للالتباس وسوء الفهم.

إن العلاقات بين الدول ليست قائمة فقط على المصالح، بل تحتاج أيضاً إلى وضوح وثقة وإدراك مشترك بأن المصالح لا تنفصل عن الاستقرار، وأن الغموض في العلاقات الدولية يضعفها مهما بدت قوية في ظاهرها.

وفي النهاية يبقى التحول الأهم في السودان أن الشعب هو الثابت بينما تتغير أنماط الحكم والسلطة، وأن مرحلة ما قبل الحرب لا يمكن أن تعود بصورتها السابقة، لأن طبيعة الواقع السياسي والاجتماعي قد تغيرت بالفعل، وأن التأقلم مع هذا الواقع الجديد أصبح جزءاً من مسار التاريخ وليس خياراً مؤجلاً.

والسودانيون اليوم لا يبحثون عن صراع مع أحد ولا عن خصومة مع جيرانهم، بل عن إمكانية لحياة طبيعية وعلاقة مع العالم تحترم إنسانهم وتدرك أن استقرارهم ليس تفصيلاً ثانوياً بل جزءاً من استقرار المنطقة كلها.

فلا أمن حقيقي للبحر الأحمر إذا كان السودان غارقاً في الحرب، ولا تنمية مستدامة إذا كان الإنسان على ضفته الأخرى يعيش تحت ضغط الخوف والجوع والمرض.

وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن العلاقات الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه من مصالح، بل بقدرتها على الصمود أمام الأسئلة الأخلاقية الصعبة.

والسودان رغم أزماته لا يزال يطرح سؤالاً مشروعاً.

كيف يمكن أن تُبنى علاقات إقليمية مستقرة بينما يغيب الإنسان من مركز المعادلة.

ذلك هو السؤال الذي لا يحتاج إلى إجابة سياسية فقط بل إلى وعي جديد بطبيعة المنطقة وبأن الاستقرار الحقيقي لا يتجزأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!