رأي

معركة الوجود والتحرر من دويلة وكلاء الاستعمار

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

تخوض شعوبنا السودانية الأبية اليوم زلزال معركةٍ تاريخيةٍ حاسمة ومفصلية، صراعٌ ينفجر في وجه قوى الردة وفلول دولة وكلاء الاستعمار وزبانيتهم الذين يقتاتون على جراح الأمة. إنها معركةٌ فاصلة لا تقبل التراجع أو المهادنة، ولا تحتمل أيّ نوعٍ من أنواع التسوية السياسية الرخيصة، أو أي شكلٍ من أشكال المقايضة المخزية على حقوق الضحايا ودماء الشهداء الطاهرة التي تعطر أرضنا.

لقد كشفت الحقيقة العارية على مدى سبعة عقودٍ متطاولةٍ من الزمان أن دولة وكلاء الاستعمار ظلت تستأثر بالموارد والمقدرات والثروات الوطنية الهائلة، مكرسةً نهبها في ظلمات الاستبداد. واحتكرت القرار السياسي القومي لحساب فئةٍ قليلةٍ باغية، بينما وظّفت عنف الدولة المنظم وبطشها الأعمى ضد الشعوب المقهورة لتكميم الفوهات وسحق التطلعات.

ولم تكتفِ هذه السلطة المستبدة بذلك الإجرام، بل ظلت توظف شعوب الهامش وأبناءها للاقتتال بالوكالة عنها في محرقة حروبٍ عبثية وحشية. حروبٌ لا تخدم سوى استمرار الطغمة الحاكمة وتثبيت أركان عروشها المتداعية، متخذةً من صدور أبناء الهامش دروعاً بشرية لحماية مصالحها الطبقية النفعية الضيقة.

لقد اختطفت هذه المنظومة الباطشة الدولة بكافة أجهزتها العسكرية والأمنية والمدنية والدبلوماسية، وجردتها من أي بعدٍ وطني. واستلبت إرادتها السيادية لتظل مرتهنةً بصورةٍ مطلقة للدولة المصرية، التي لم تتوانَ لحظةً عن السطو على أطنان الثروات والموارد في الأحزمة الرعوية والزراعية الخصبة، وتوظيفها لخدمة مصالح نخبوية استعمارية على حساب جوع شعوبنا وعرائها.

إن ما يُسمى بـ “دويلة 56” ليس سوى مسخٍ تشوهي قبيحٍ وهش، صُنع خصيصاً لتسخير كافة آليات الدولة ومؤسساتها لخدمة دولة الأولغارشية والطبقة النافذة الباغية. وأنتج هذا الكيان الفاسد أنظمةً ومناهج وسردياتٍ تضليلية مكرسة لبقائه السافر في السلطة، متغذياً على سحق الكرامة الإنسانية وإعادة إنتاج التخلف.

والمؤسف بحق، والذي يثير الغيظ والألم العميق في آنٍ واحد، أن نرى قطاعاتٍ ومجتمعاتٍ من الهامش المظلوم قد اصطفت مع هذا الجلاد وصارت تقاتل في خندقه المظلم. إن هذه الظاهرة الخاطئة والمؤلمة لا يمكن تفسيرها سوى أنها تجسيد صارخ لسيكولوجية الإنسان المقهور الذي تعايش مع الظلم والقهر والقمع لفتراتٍ طويلة حتى سلبته إرادته.

لقد تطبع المقهور مع قسوة السجان حتى ظن أنه من أدواته، فصار أداةً طائعة يُنفذ بها الجلاد مآربه الخبيثة ضد نفسه وأهله ومجتمعه. وحدث هذا الانحراف نتيجةً للقطيعة المعرفية الشاملة التي أحدثتها عقودٌ متواصلة من العسف والتشويه الممنهج، مما يمثل أسوأ أشكال التزييف والتدجين الفكري والنفسي والسياسي عبر التاريخ.

حيال هذا الواقع المعقد والبالغ الخطورة، يجب على شعوبنا أن تستوعب العظة التاريخية الكبرى بوعيٍ صارم وقاطع لا يلين. إن معركتنا الحالية هي معركة تحرر ذواتنا قبل كل شيء، وتحرير أوطاننا، واستعادة ثرواتنا المنهوبة وقرارنا السيادي المستقل من قبضة المعتدين ووكلاء الخارج.

إنه لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال الحديث عن سلامٍ مستدام، أو تنميةٍ متوازنة، أو توظيفٍ حقيقي لمواردنا الكامنة، ولا عن استقلالٍ مكتمل الأركان لوطننا، إلا بدكّ قلاع وكلاء الاستعمار الحصينة. ويجب اقتلاع جذور دويلة 56 الباطشة والظالمة والفاسدة والمستبدة من القاع بلا رحمة أو شفقة.

لقد مارست تلك الدويلة الباغية أبشع أنواع المركزية القابضة والخانقة، وارتكبت الفظائع والمجازر والجرائم الشنيعة بحق أبناء شعوبنا في كل شبرٍ من أرضنا. وجربنا على مدى عقودٍ عشرات التسويات السياسية الهشة والمساومات الفاشلة، فلم تزدنا إلا ضيماً وهواناً، ولم تفضِ إلا إلى مزيدٍ من الأزمات المركبة والانفجارات المتتالية.

إن دولة وكلاء الاستعمار تفتقر بالكامل لأي نوعٍ من الأخلاق أو الالتزام بالمواثيق والعهود والاتفاقيات. وهذا يجعل الرهان على إصلاحها أو مساومتها مجرد وهمٍ خائب وخيانةٍ صريحة لنضالات الشعوب وتضحيات الجماهير.

إن صراعنا مع هذه المنظومة العنصرية البغيضة هو صراع وجودٍ وبقاء حاسم، ولا خيار فيه سوى الانتصارات الجذرية الناجزة. ومن هنا، فإن أي تسويةٍ سياسية لا تؤدي بوضوحٍ صريح إلى تفكيك هذه الدولة العنصرية وتفكيك مؤسساتها، تُعد خيانةً عظمى صريحة لكل قطرة دمٍ طاهرة أُريقت في ميادين الشرف.

إنها خيانة لدماء الشهداء الزكية الممتدة من ملحمة كرري التاريخية العظيمة، وحتى المجازر البشعة في قرية شرشار بالأمس القريب. فلا مهادنة، ولا تهاون، ولا نكوص عن حقوق مجتمعاتنا المشروعة، مهما عظمت التضحيات ومهما كلفنا الأمر من ثمن.

سيظل صوتنا هادراً كالعاصفة بوجه الطغاة والمستبدين، ولن تتوقف مسيرة التحرر الشامل حتى نقتلع أركان الظلم والتبعية، ونبني على أنقاضها وطن العدالة والحرية والكرامة والسيادة الكاملة لشعوبنا الأبية. إنها الفجر القادم لا محالة، حيث تُردم خنادق القهر وتشرق شمس الحرية على وطنٍ طال انتظاره.

سنخوض هذه الملحمة بقلوبٍ من حديد وإرادةٍ لا تتزلزل، نردد هتاف التحرر في كل وادٍ ومدينة، ونعلن للعالم أن زمن الاستعباد والوكالة قد انتهى إلى غير رجعة. إن الشعوب التي قدمت أبناءها قرباناً للكرامة لن تقبل بأقل من القطيعة الكاملة مع هذا الماضي المظلم، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والتكافؤ والمواطنة الخالصة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!