
مهند بكار ،، لندن
لا يمكن النظر إلى قرار تشكيل مجلس الأمن والدفاع باعتباره خطوة إدارية أو إجراءً تنظيمياً عابراً، بل هو في جوهره لحظة سياسية وأمنية فارقة، ترتبط مباشرة بإعادة تشكيل بنية الدولة وإعادة تعريف أدواتها في إدارة الحرب والسلام. والأهم من ذلك أنه يأتي متزامناً مع حاجة ملحّة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية حديثة، تقوم على إنشاء جيش وطني جديد بعقيدة قتالية واضحة، موحدة، ومتحررة من إرث التشظي والتجاذبات التي أضعفت فعالية المؤسسة في مراحل سابقة.
إن بناء جيش وطني جديد ليس خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وجودية لأي دولة تسعى إلى البقاء والاستقرار. فالجيوش الحديثة لا تُقاس فقط بعددها أو عتادها، وإنما بصلابة عقيدتها القتالية، ووضوح مرجعيتها الوطنية، وقدرتها على حماية الدولة لا الأشخاص أو التوازنات المؤقتة. ومن هنا، فإن الحديث عن مجلس الأمن والدفاع لا ينفصل عن مشروع أعمق يتمثل في إعادة صياغة مفهوم القوة العسكرية على أساس الانضباط، الاحتراف، ووحدة القيادة.
في أوقات الأزمات الكبرى، لا تُقاس القرارات بحجمها الإداري، بل بقدرتها على إحداث تغيير جذري في مسار الدولة. ومن هذا المنطلق، يكتسب تشكيل مجلس الأمن والدفاع أهمية استثنائية، لأنه يمثل انتقالاً من إدارة الأزمات بردود الأفعال إلى صناعة القرار الاستراتيجي المبني على التخطيط والتنسيق والرؤية الموحدة.
لقد ظل ملف الأمن والدفاع لعقود أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، ليس فقط بسبب طبيعة التحديات، بل بسبب تعدد مراكز القرار وغياب الرؤية الموحدة. فالأمن ليس مجرد عمليات ميدانية، والحرب ليست مجرد تحركات عسكرية، وإنما هي منظومة متكاملة تبدأ من العقل السياسي وتنتهي عند التنفيذ على الأرض. وعندما تختل هذه المنظومة، تصبح الدولة في حالة استنزاف دائم مهما كانت مواردها.
من هنا تأتي أهمية مجلس الأمن والدفاع باعتباره محاولة جادة لإعادة بناء مركز قرار موحد يجمع القيادة السياسية والعسكرية والأمنية تحت مظلة واحدة، قادرة على التنسيق الفعّال وصياغة قرارات استراتيجية تتجاوز اللحظة الآنية نحو رؤية طويلة المدى.
وفي ظل التعقيدات المتزايدة التي تشهدها البلاد، لم تعد التهديدات محصورة في الجانب العسكري التقليدي، بل امتدت إلى مجالات أوسع تشمل الاستخبارات، الاقتصاد، الإعلام، والأمن السيبراني. وهذا التحول في طبيعة التهديدات يفرض بالضرورة تحولاً مماثلاً في طبيعة الاستجابة، وهو ما يجعل وجود مجلس أعلى للأمن والدفاع ضرورة لا رفاهية.
على المستوى العسكري، يمثل المجلس فرصة لإعادة ضبط بوصلة المؤسسة العسكرية نحو وحدة القيادة، وتوحيد القرار العملياتي، وبناء استراتيجية دفاعية طويلة الأمد ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأهداف السياسية العليا للدولة. فنجاح أي جيش لا يقاس فقط بقدرته على القتال، بل بقدرته على العمل ضمن عقيدة واضحة ومحددة المعالم.
أما على المستوى الأمني، فإن المجلس يفتح الباب أمام إعادة هيكلة منظومة العمل الأمني على أسس أكثر كفاءة واحترافاً، عبر تعزيز تبادل المعلومات، وتحسين آليات تحليل المخاطر، والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية والاستباق. وهذا التحول وحده كفيل بإحداث فرق جذري في مستوى الاستقرار العام.
لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه أي مشروع من هذا النوع لا يكمن في إعلان تأسيسه، بل في تحويله إلى مؤسسة فاعلة تمتلك الصلاحيات والقدرات والإرادة اللازمة للتأثير الحقيقي. فالتاريخ مليء بمؤسسات وُلدت كبيرة على الورق، لكنها بقيت محدودة الأثر بسبب ضعف التنفيذ أو غياب الرؤية الواضحة.
إن مجلس الأمن والدفاع، إذا أُريد له أن يكون نقطة تحول حقيقية، يجب ألا يُعامل كهيئة تنسيقية فقط، بل كمركز سيادي لصناعة القرار الاستراتيجي للدولة، يمتلك القدرة على فرض الانسجام بين المؤسسات، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية، وصياغة عقيدة أمنية وعسكرية متكاملة.
كما أن نجاح هذا المجلس يرتبط بشكل مباشر بقدرته على دعم مشروع بناء جيش وطني جديد بعقيدة قتالية حديثة، تقوم على حماية الدولة، وصون سيادتها، والدفاع عن وحدتها، بعيداً عن أي اعتبارات ضيقة أو انقسامات داخلية. فالعقيدة العسكرية ليست شعاراً، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الجيوش وتُقاس به كفاءتها وانضباطها.
وفي البعد السياسي، يعكس هذا القرار توجهاً واضحاً نحو ترسيخ مفهوم الدولة المؤسسية، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي في إدارة القضايا السيادية، بما يعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بثقة واتزان. كما يبعث برسالة مهمة مفادها أن المرحلة المقبلة لن تُدار بالاجتهادات الفردية، بل بالمؤسسات والرؤية الموحدة.
وفي المحصلة، فإن تشكيل مجلس الأمن والدفاع قد لا يكون نهاية التحديات، لكنه بلا شك بداية إعادة تشكيل قواعد اللعبة في إدارة الأمن والحرب والدولة. وإذا ما اقترن هذا القرار بإرادة سياسية حقيقية ورؤية تنفيذية واضحة، فإنه قد يتحول إلى نقطة تحول تاريخية، تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها دولة أكثر استقراراً، جيش أكثر احترافاً، وقرار أكثر وحدة وفاعلية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات فقط، بل بقدرتها على تنظيم هذه الأدوات في منظومة واحدة متماسكة. ومن هنا، فإن هذا القرار قد يكون بداي والحقيقي الذي طال إنتظاره.




