رأي

لقد فعلها أبو كيعان؛ لقد فعلها عبد الرحيم دقلو؛ الفاشر تحت رحمة الجاهزية

دكتورة فاطمة الزين

 

 د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا 

لقد فعلها عبد الرحيم دقلو، أو كما يحلو للبعض أن يسميه “أبو كيعان”. فعلها هذه المرة بجرأةٍ لا لبس فيها، وأدخل الفاشر — المدينة الجريحة، مدينة الصمود والمآسي — في طورٍ جديد من تاريخها الطويل مع الحروب والتحولات. لم تعد الفاشر تلك المدينة التي كانت ترزح تحت قبضة السلطة الإرهابية والحركات العرقية المسلحة، بل أصبحت اليوم — بعد معركةٍ قاسية وطويلة — تحت رحمة “الجاهزية”، كما يحب مقاتلو الدعم السريع أن يصفوا أنفسهم.

نعم، لقد كلّفت الفاشر قوات الدعم السريع كثيراً من الرجال والمال والعتاد. كانت معركة استنزافٍ مريرة، تتناوب فيها الانتصارات والهزائم، ويُدفع ثمنها من دماء الشباب الذين لا يعرفون سوى النصر او الشهادة. ومع ذلك، يبدو أن عبد الرحيم قد أصرّ على أن يُكمل ما بدأه، وأن يُعيد رسم خريطة السيطرة في دارفور وتحريرها.

في الأسبوع الماضي، تواصلت مع إحدى صديقاتي القدامى في الفاشر. كانت لهجتها مثقلة بالتعب، لكنّها تحمل قدراً من الطمأنينة لم أعرفها فيها منذ شهور. قالت لي إنها سلكت طريقاً آمناً نحو مدينة مليط، بعد أن كانت تُؤمن أن الخروج من الفاشر أشبه بالمستحيل. كان في صوتها شيء من الدهشة؛ كأنها لا تصدق أن الطرق التي كانت يوماً مغلقة بالمتاريس ونقاط التفتيش، أصبحت سالكة. لم يعد الحديث عن “حصار الفاشر” إلا ذكرى تتناقلها وسائل التواصل، بعد أن تحولت المدينة إلى مسرحٍ آخر تماماً.

هذه الشهادة الصغيرة من فاطمة خليل — التي ظلت عالقة هناك — كانت كافية لأدرك أن كثيراً مما يُتداول حول “احتجاز السكان” لم يكن سوى صدى لحرب الدعاية التي تتغذى على الخوف. قالت لي: “لقد ندمت على الأشهر التي قضيتها في المدينة، كنت أستطيع مغادرتها من وقت باكر، لكنني كنت أصدق أن الخروج يعني الموت.” كلماتها الموجعة هذه كشفت لي كم تغيّر المشهد، وكم دفع المدنيون ثمناً باهظاً لتضليل الإعلام والسياسة معاً.

فاطمة كانت تؤمن، منذ البداية، أن الدعم السريع سيحسم المعركة لصالحه، وأن الفاشر تمثّل بالنسبة لعبد الرحيم دقلو “رهاناً أساسياً”، ليس فقط عسكرياً، بل رمزياً أيضاً. فالفاشر هي عاصمة الإقليم، بوابته إلى تاريخه وإلى مركز ثقله الاجتماعي. ومن دونها، لا يستطيع أحد أن يدّعي السيطرة على دارفور. لكنّ سيطرة السلاح لا تعني بالضرورة عودة الأمن. فالسؤال الموجع الذي يفرض نفسه الآن: ماذا عن مصير آلاف السكان الذين ظلوا عالقين في أحياء المدينة المدمَّرة، بين القصف والجوع والفراغ الإداري؟

لقد قالت فاطمة خليل وهي تتنفس الصعداء خارج المدينة: “كل شيء سينتهي قريباً، لكن لا أحد يعرف كيف سيبدأ الغد.” عبارة قصيرة تختصر مأساة الفاشر، ومأساة السودان بأكمله. لأننا — كسودانيين — نعيش دائماً على حافة البدايات المؤجلة، وعلى أملٍ بأن يأتي غدٌ أفضل، بينما نعلم في قرارة أنفسنا أن الغد قد لا يحمل إلا جولة أخرى من الألم.

عبد الرحيم دقلو، الذي بدا أكثر تصميماً في خطابه الأخير، لم يكن يتحدث فقط عن النصر، بل عن “الجاهزية” بمعناها الأوسع: الجاهزية للحكم، للسيطرة، لإعادة تعريف ما هو “مشروع” في دولةٍ ما تزال تبحث عن نفسها. ومن خلف صوته، يلوح صدى هاجس كبير: ولعل ما حدث في الفاشر يكون بداية لاستقرارٍ جديد، وسلام يصنعه الرجال الأبطال.

لقد فعلها عبد الرحيم، لكنه — في الوقت نفسه — فعل بنا جميعاً ما فعلته الحروب المتتالية منذ عقود: أعادت إلينا السؤال القديم بثوبٍ جديد — متى يتوقف نزيف الوطن؟ ومتى نكف عن الاحتفال بالسيطرة، ونبدأ الاحتفال بالسلام؟

الفاشر، المدينة التي أنجبت الصبر، لا تزال تنزف.

وها أنا، من بعيد، أكتب عنها بقلبي قبل قلمي،

بين الحنين إلى أرضٍ أحببناها،

والألم على وطنٍ لم يعرف يوماً كيف يحمي أبناءه.

لقد فعلها عبد الرحيم… لقد فعلها أبو كيعان…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!