رأي

بطولات “المركز” في مواجهة “الهامش”: حينما ينتصر جيش الإخوان على طفل قاصر!

سامر مكين

 

 سامر مكين

في مشهد عبثي يختزل مأساة السودان الحديثة، تقف شرطة ولاية الجزيرة، بكامل عتادها ونجومها اللامعة على الأكتاف، لتسجل “انتصاراً تاريخياً” جديداً. ليس على مليشيات مسلحة، ولا على عصابات الجريمة المنظمة، بل على طفل قاصر من أبناء الهامش، تم اقتياده ليمثل جريمة “سرقة دكان”. 

الصورة التي تداولتها المنصات، حيث يقف ضابط شرطة بابتسامة عريضة وكأنه حرر القدس، بينما يُجبر طفل بائس على تمثيل جريمته أمام الكاميرات وحشد من المتفرجين، ليست مجرد لقطة عابرة. إنها وثيقة بصرية تلخص عقوداً من استعلاء “نخب المركز” وأصحاب الامتيازات التاريخية في تعاملهم مع أبناء الهامش.

في السودان، حيث تبتلع الحروب والفساد مليارات الدولارات، وحيث يمارس جيش الإخوان المسلمين أبشع الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين العزل، تبدو العدالة عمياء تماماً عن الكبائر، لكنها تستعيد بصرها وبصيرتها فجأة عندما يتعلق الأمر بطفل جائع من أطراف البلاد.

كيف لا يبتسم الضابط؟ لقد وجد أخيراً عدواً يمكنه الانتصار عليه. ففي الوقت الذي تعجز فيه هذه القوات عن حماية المدن من السقوط، وتفشل في توفير أبسط مقومات الأمن للمواطن، تستعرض عضلاتها على طفل قاصر، محولة إياه إلى “كبش فداء” لتلميع صورة مؤسسة نخرها الفساد والتسييس.

إن طريقة التعامل مع هذا الطفل تكشف عن خلل بنيوي عميق في العقلية التي تدير الدولة. أبناء الهامش، في نظر نخب المركز، ليسوا ضحايا لسياسات التهميش والإفقار الممنهج، بل هم مجرد “مشاريع مجرمين” يجب ردعهم بقسوة.

لو كان هذا الطفل من أبناء “الذوات” في الخرطوم، لتم التكتم على الأمر، ولتدخلت “الواسطات” لحل المشكلة ودياً، بل ربما تم تبرير فعلته بأنه “طيش شباب”. لكن لأنه من الهامش، بملامحه المتعبة وثيابه الرثة، فهو مادة دسمة للاستعراض الأمني، وفرصة ذهبية لالتقاط الصور التذكارية وإثبات أن “العين الساهرة” لا تنام… إلا عن الجرائم الكبرى!

هذا المشهد لا ينفصل عن السياق العام لجرائم جيش الإخوان المسلمين في السودان. فالتنظيم الذي اختطف الدولة لعقود، وأشعل الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، لا يزال يمارس نفس العقلية الاستعلائية. إنهم يقتلون الآلاف، ويشردون الملايين، وينهبون ثروات البلاد، ثم يقفون أمام الكاميرات ليحتفلوا بالقبض على طفل سرق دكاناً ليسد جوعه.

إنها كوميديا سوداء مبكية. دولة تنهار، وجيش ينهزم، ومؤسسات تتآكل، ومع ذلك يجدون الوقت والجهد لتنظيم “حفلة تصوير” لطفل قاصر، متجاهلين أبسط حقوقه الإنسانية والقانونية.

في النهاية، ستبقى هذه الصورة وصمة عار في جبين كل من شارك فيها أو صفق لها. ستبقى شاهداً على أن أزمة السودان ليست فقط في البندقية، بل في العقلية التي تبرر قهر الضعيف، وتحتفي بانتصارات وهمية على أطفال الهامش، بينما تترك المجرمين الحقيقيين يعبثون بمصير الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!