

الهوية الوطنية الجامعة هي الفريضة الغائبة منذ نشأة وتشكُّل ما يُعرف بالدولة الوطنية في السودان، منتصف خمسينيات القرن الماضي. وبغياب هذه الهوية، غاب معها الجهاز المفاهيمي القائم على الانتماء الوطني، والمواطنة، والحقوق الإنسانية، والديمقراطية، والحريات العامة والخاصة، والمجتمع المدني. وللأسف، لم يتم التخلص من الدولة النخبوية التي ورثناها عن الاستعمار، فتجذّرت ثقافة القهر والاستبداد والتسلط عبر العنف المُحتكر في الأجهزة الأمنية، وفساد المؤسسات المدنية، ما أدى إلى عجز مستمر عن تلبية متطلبات التنمية. ونتيجة لذلك استعصت عملية النهوض، رغم وفرة الموارد وتنوعها، فأصبحنا دولة كسيحة وغير راشدة.
دولة فاشلة وهشّة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ومعلوم أن هناك مؤشرات تؤكد أن الحالة السودانية تعاني من غياب القدرة على صياغة دستور متوافق عليه يُعبر عن الهوية والشخصية السودانية، ومن فشل ذريع في تحقيق العدالة الاجتماعية، وفي جعل المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات الدستورية، وإدارة التنوع والاختلاف، وصناعة السلام وتحقيق الاستقرار، والحفاظ على السيادة، وتطبيق القانون، وتوفير الخدمات الأساسية، وإدارة العلاقات الخارجية، والقدرة على أداء الوظائف الجوهرية للدولة.
وبالتالي، فإن الدولة السودانية، كما نشأت عام 1956، لا تُعد فاشلة فحسب، بل أصبحت كابوسًا جاثمًا على صدر الشعب السوداني، حيث استمرت النزاعات المسلحة، والاحتجاجات، والاضطرابات الداخلية، بسبب القبضة المركزية الخانقة والمتحكمة، فظلت حالة الفشل تراوح مكانها.
تحديات بناء وتأسيس الدولة الوطنية كثيرة ومعقّدة ومتداخلة، سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا. وبما أن التعريف الحديث للدولة يتمثل في بناء مؤسسات قومية قادرة وفاعلة تستند إلى دستور يُعبر عن تطلعات وآمال الشعب، فإن قوة أي دولة تكمن في قدرتها على إرساء البُنى المؤسسية (المأسسة) والإدارية، وسنّ الأنظمة والقوانين.
ورغم أننا على أعتاب العقد السابع من عمر الاستقلال، إلا أن هذا “المسخ المشوَّه” المسمى بالدولة ما يزال قائمًا، وتستمر معه حالة عدم الاستقرار السياسي، وغياب التنمية، وانتشار الحروب، والعنصرية، وخطاب الكراهية، وسوء إدارة الموارد، واحتكار القرار السياسي من قِبل نخب أدمنت الفشل بامتياز ، على الرغم من أن مقومات بناء دولة حديثة وعصرية، تقوم على المواطنة، متوفرة بكثافة.
إن السودان يمتلك كل المعطيات التي تؤهله لبناء دولة قادرة على الإسهام الفعّال في قضايا السلام والتنمية على المستوى الدولي.
فلماذا لا نعيد التفكير في بناء وتأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة؟!




