
نفيسة حجر
بينما يواجه الشعب السوداني أقسى فصول المعاناة من نزوح وجوع، وتئن المشافي من انعدام الدواء، تكشف الوثائق المسربة من المحاكم الفيدرالية في كاليفورنيا (FBI) عن مشهد يندى له الجبين؛ حيث تُدار صفقات السلاح بعقلية “الغنائم” وعبر شبكات سماسرة دوليين. إن قصة العميلة الإيرانية “شميم مافي” والـ 61 مليون يورو المنهوبة ليست مجرد واقعة فساد، بل هي “خارطة طريق” لعودة الفلول واستباحة مقدراتنا الوطنية.
المرسوم (14): الحصانة التي شرعنت الفساد
لا يمكننا قراءة هذه الصفقات بمعزل عن المرسوم الدستوري رقم (14) الذي أصدره البرهان قبيل انقلاب أكتوبر 2021. هذا المرسوم لم يكن إجراءً إدارياً عادياً، بل كان “درعاً قانونياً” استباقياً لحماية الفساد؛ حيث نص على تحصين كبار القادة (من رتبة فريق فما فوق) ومنع ملاحقتهم أمام القضاء المدني عن أي فعل يتعلق بوظيفتهم، وجعل محاكمتهم رهينة بإذن من القائد العام نفسه. هذا الغطاء التشريعي هو الذي سمح بتبديد أموال الشعب عبر السماسرة دون خوف من رقابة قضائية أو محاسبة مالية، فالخصم هنا أصبح هو الحكم.
إمبراطورية “خارج الميزانية”: أين تذهب أموالنا؟
السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه المبالغ المليونية جزء من الميزانية العامة للدولة؟ قانوناً ومنطقاً، الإجابة هي (لا). نحن أمام “إمبراطورية شركات الجيش” التي تبتلع موارد السودان من ذهب ومحاصيل وتديرها كإقطاعيات خاصة خارج ولاية المال العام. هذه الشركات هي “الرئة” التي يتنفس منها الفلول؛ فهي تهرب من رقابة المراجع العام، وتستنزف العملة الصعبة لتمويل صفقات “السوق السوداء” للسلاح، بينما ينهار الاقتصاد الوطني وتتوقف الخدمات الأساسية عن المواطن المطحون.
ما هي “شركات الواجهة”؟ (توضيح للقارئ البسيط)
لكي نفهم هذه الخدعة، “شركة الواجهة” هي ببساطة “طاقية إخفاء”. هي شركات تُفتح بأسماء وهمية في بلدان أخرى لتكون مجرد “ستار” تمر من خلفه الأموال لتضليل القانون الدولي والهروب من الرقابة؛ فيبدو الأمر كأنه تجارة عادية، بينما الحقيقة هي تهريب لأموال الشعب لشراء سلاح وعقد صفقات مشبوهة وتوزيع “عمولات” مليونية في الظلام بعيداً عن الدورة المستندية الرسمية للدولة.
الفلول: إدارة “دولة الظل” من جديد
لقد استغل فلول النظام المباد هذه الثغرات القانونية والشركات المستترة للعودة إلى المشهد، فهم المهندسون الحقيقيون لهذه المسارات الملتوية، وهم من يملكون “الخبرة” الطويلة في صفقات الظل والالتفاف على العقوبات. إنهم يحولون الحرب اليوم إلى “فرصة استثمارية”، يتاجرون فيها بدماء السودانيين مقابل عمولات بلغت في هذه الواقعة وحدها 7 ملايين دولار للعميلة الإيرانية، مضحين بسيادة البلاد مقابل العودة إلى كراسي السلطة عبر بوابة “اقتصاد الحرب”.
آخر قولي
إن الدفاع عن “حق الجيش في التسليح” يسقط قانوناً وأخلاقاً عندما تتحول هذه العملية إلى غطاء لتبديد ثروات الشعب لصالح لصوص الموارد والوسطاء الدوليين. السيادة الحقيقية تبدأ باحترام القانون، وبسط ولاية وزارة المالية على المال العام، وحماية أموال اليتامى والنازحين من النهب في صالونات “طهرانجلوس” وإسطنبول.
إن هذه الجرائم الاقتصادية لن تسقط بالتقادم، ومسار المحاسبة والعدالة سيفضي حتماً إلى بناء دولة المؤسسات التي لا مكان فيها للسماسرة، أو الانقلابيين، أو لصوص الموارد.



