
الباشا محمد الباشا طبيق
تأتي مشاركة تحالف السودان التأسيسي في اجتماعات الآلية الخماسية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في ظرف وطني بالغ التعقيد، حيث تتواصل الحرب وتتفاقم التداعيات الإنسانية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي يجعل من البحث عن مخرج سياسي شامل ضرورة وطنية عاجلة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
وقد دخل التحالف هذه المشاورات برؤية سياسية موحدة تستند إلى قناعة راسخة بأن إنهاء الأزمة السودانية لا يمكن أن يتحقق عبر معالجات جزئية أو تسويات مؤقتة، وإنما من خلال عملية سياسية شاملة تخاطب جذور الأزمة التاريخية وتتعامل مع أسبابها الحقيقية. فالتجارب التي مر بها السودان خلال العقود الماضية أثبتت أن الاتفاقات المرحلية، مهما بلغت أهميتها، تظل عاجزة عن إنتاج سلام دائم ما لم تُعالج قضايا الحكم والعدالة والمواطنة وتوزيع السلطة والثروة وبناء مؤسسات وطنية مستقرة وقادرة على إدارة التنوع السوداني بصورة عادلة ومتوازنة.
وفي المقابل، تبدو الساحة السياسية داخل معسكر بورتسودان غارقة في حالة من التباينات والتجاذبات التي انعكست بصورة واضحة على مواقف مكوناته المختلفة. ولم تعد هذه الخلافات مجرد تباينات في الرأي، بل تحولت إلى معضلة سياسية تؤثر بصورة مباشرة على قدرة ذلك المعسكر في تقديم رؤية متماسكة أو مشروع وطني متفق عليه يمكن أن يشكل أساساً لمعالجة الأزمة السودانية وإنهاء الحرب.
لقد ظللنا نؤكد باستمرار أن التحالفات القائمة في بورتسودان تفتقر إلى وحدة الرؤية السياسية والاستراتيجية، وأنها تستند في كثير من الأحيان إلى تفاهمات ظرفية ومصالح آنية أكثر من استنادها إلى مشروع وطني جامع. ومن هذا المنطلق فإن حالة التباعد والتنافس التي تشهدها تلك المكونات اليوم لا تمثل أمراً طارئاً، وإنما تعكس بصورة طبيعية طبيعة البنية السياسية التي قامت عليها تلك التحالفات منذ البداية.
ومن المهم أن تدرك الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في جهود السلام بالسودان هذه الحقائق عند مقاربتها للملف السوداني. فالوصول إلى سلام مستدام يتطلب التعامل مع القوى القادرة على تقديم رؤية سياسية واضحة ومتماسكة لمعالجة جذور الأزمة وبناء دولة المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون، بدلاً من الاكتفاء بالتعاطي مع تحالفات تعاني من الانقسامات وتفتقر إلى وحدة القرار السياسي والاستراتيجي.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مشروع وطني جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على الشراكة العادلة بين جميع أبنائه، وتحترم التنوع الثقافي والاجتماعي، وتكفل الحقوق والحريات، وتضع حداً لدورات العنف والحروب التي أعاقت مسيرة البلاد لعقود طويلة. ومن هنا تكتسب الحوارات الجارية أهميتها باعتبارها فرصة حقيقية للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها، ومن منطق الصراع إلى منطق بناء الدولة على أسس جديدة تحقق الاستقرار والسلام والتنمية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه السودانيين اليوم لا يتمثل فقط في وقف الحرب، بل في بناء سلام دائم وعادل يستند إلى الشراكة الوطنية والعدالة والمساواة، ويؤسس لدولة قادرة على حماية مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم في الأمن والاستقرار والازدهار. فسلام السودان لن يتحقق عبر وقف القتال وحده، وإنما عبر معالجة الأسباب التي أنتجت الصراع وإرساء أسس دولة جديدة تستوعب الجميع وتفتح آفاق المستقبل أمام الأجيال القادمة.




