رأي

نساء وأطفال السودان… الوجع الصامت على حافة البقاء

ياسمين بت الشيخ

 

 ياسمين بت الشيخ

على امتداد تاريخ السودان الحديث، ورغم تعاقب الحكومات والأنظمة، ظلّ هناك ثابت لا يتغير: النساء والأطفال هم دائماً الضحايا الأكثر هشاشة والأعمق نزيفاً في كل حرب ونزاع وصراع مسلح. فمنذ استقلال البلاد، انشغلت الحكومات بالصراعات السياسية وتنازعت النخب حول السلطة، بينما بقيت الفئات الأكثر ضعفاً بلا حماية، تدفع وحدها ثمن الحروب المتكررة التي مزّقت المجتمع السوداني وأهدرت سنوات من الاستقرار والتنمية. ومع تصاعد موجات العنف خلال العامين الماضيين، بلغت المأساة ذروتها، إذ وجدت ملايين النساء أنفسهن يهربن من منازلهن بحثاً عن الأمان، يحملن أطفالهن وذكرياتهن، ويواجهن واقعاً قاسياً في مناطق النزوح داخل السودان وخارجه، حيث يختلط الخوف بالجوع والمرض وانعدام الخدمات الأساسية.

في تلك المخيمات الممتدة من دارفور إلى الجزيرة والخرطوم والحدود الغربية والشرقية، تتجلى ملامح الألم بوضوح. نساء فقدن أزواجاً وأبناء، وتحوّلن في ليلة واحدة إلى المسؤولات الوحيدات عن أسر تحتاج إلى الغذاء والرعاية والأمان. كثيرات يعشن في بيئات تفتقر إلى أبسط مقومات الكرامة الإنسانية، فلا ماء كافٍ ولا غذاء مناسب ولا رعاية صحية، بينما تغيب خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة بشكل شبه كامل. ويزداد المشهد قسوة حين تُحرم النساء من الخصوصية والأمان داخل المخيمات، في ظل ضعف آليات الحماية وانتشار العنف والاستغلال وغياب الجهات القادرة على التدخل.

أما الأطفال فهم أكثر الفئات هشاشة في هذا المشهد المضطرب. ملايين منهم بلا تعليم، بلا رعاية، وبلا مستقبل واضح. كثيرون وُلدوا خلال الحرب ويكبرون داخلها وكأنها قدر محتوم. تتفشى بينهم الأمراض وسوء التغذية، ويتعرضون لصدمات نفسية قد تلازمهم سنوات طويلة. وقد حذرت منظمة “يونيسيف” من أن السودان يقف اليوم أمام كارثة أجيال حقيقية، مؤكدة أن أكثر من عامين من النزاع وضعا الأطفال “على حافة الهاوية”، وأن استمرار العنف دون تدخل عاجل قد يُفضي إلى انهيار كامل لمستقبلهم، مع آثار خطيرة على البلاد والمنطقة وما بعدها. وأشارت المنظمة إلى أن غياب العمل المنسق والعجز في الموارد يهددان بتفاقم الأزمة، خصوصاً مع صعوبة وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر تضرراً.

ورغم أن النساء يشكلن النسبة الأكبر من النازحين في السودان، إلا أن احتياجاتهن الخاصة غالباً ما تُهمل في برامج الإغاثة. فالرعاية الصحية للحوامل، وخدمات الولادة، ووسائل النظافة، والمساحات الآمنة التي توفر الخصوصية والحماية، كلّها غائبة أو نادرة. إن تجاهل هذه الاحتياجات لا يزيد معاناة النساء فحسب، بل يعمّق أزمة المجتمع كله، لأن المرأة تمثل عماد الأسرة وركيزة إعادة بناء الحياة بعد توقف القتال. ومن دون دعمها، لن ينهض السودان، مهما توقفت المعارك العسكرية.

ورغم كل هذا الألم، تبقى المرأة السودانية رمزاً للصمود. تقف في وجه المجهول، وتعيد تشكيل حياتها من بين الأنقاض، وتمنح أبناءها أملاً لا ينطفئ في مستقبل أفضل. فهي لا تمتلك رفاهية الاستسلام، بل تتشبث بما تبقى من الحياة وتصنع منه مساحة للنجاة. ومع ذلك، فإن نهاية هذه المأساة لن تتحقق إلا عندما تختار البلاد طريق السلام الشامل، السلام الذي يعيد للإنسان مكانته، وللوطن استقراره، وللمستقبل معناه. فالنساء والأطفال لا يطلبون شيئاً خارقاً؛ فقط حقهم الطبيعي في الحياة، لا أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!