رأي

بين أبناء النخب وأبناء الهامش.. ماذا تعني جلوس مرتضى حميدتي لامتحان الشهادة في دارفور؟

د.إخلاص قرنق

 

 د.اخلاص قرنق

في خضم الحرب التي مزقت السودان وأرهقت أهله، برز مشهد لافت تمثل في جلوس مرتضى محمد حمدان دقلو لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية داخل دارفور، جنباً إلى جنب مع آلاف الطلاب الذين واجهوا ظروف النزوح وانعدام الاستقرار ونقص الخدمات التعليمية.

بعيداً عن المواقف السياسية المؤيدة أو المعارضة، فإن هذا المشهد يطرح سؤالاً مهماً حول العلاقة بين القادة وأبنائهم وبين واقع المواطنين الذين يدّعون تمثيلهم.

في السودان، اعتاد الناس على رؤية أبناء المسؤولين وكبار القادة وهم يتلقون تعليمهم في الخارج أو في المدارس والجامعات الخاصة ذات التكاليف الباهظة، بينما يظل أبناء القرى والأطراف يواجهون مدارس متهالكة ونقصاً في المعلمين والكتب والفرص. ولذلك فإن أي حالة يختار فيها ابن قائد بارز أن يخوض ذات التجربة التي يخوضها أبناء المواطنين العاديين تكتسب دلالة رمزية تتجاوز الشخص نفسه.

القضية هنا ليست في شخص مرتضى أو في أسرته، وإنما في الرسالة السياسية والأخلاقية التي يحملها الحدث. فالقائد الذي يؤمن بمؤسسات بلده يفترض أن يثق في تعليمها، وأن يقبل لأبنائه ما يقبله لبقية أبناء الوطن. أما عندما تصبح المدارس المحلية للفقراء فقط، بينما تُخصص المدارس الأجنبية لأبناء النخب، فإن ذلك يعكس أزمة ثقة عميقة في الدولة ومؤسساتها.

لقد عانى طلاب دارفور سنوات طويلة من الحرب والنزوح والحرمان من التعليم. كثير منهم فقدوا مقاعد الدراسة لأعوام، وبعضهم اضطر لمواصلة تعليمه في ظروف استثنائية تفتقر إلى أبسط الإمكانيات. وفي هذا السياق، فإن جلوس ابن قائد سياسي أو عسكري بينهم يحمل بعداً رمزياً يتمثل في مشاركة جزء من معاناتهم اليومية، ولو على مستوى التجربة التعليمية.

المشكلة الحقيقية في السودان ليست فقط الحرب، وإنما الانفصال المتزايد بين الطبقة الحاكمة وبين حياة المواطنين. فحين يعيش بعض المسؤولين وأسرهم في عواصم العالم، ويتمتع أبناؤهم بأفضل فرص التعليم والرعاية والخدمات، بينما يطلب من أبناء الفقراء التضحية والصبر وتحمل أعباء الأزمات، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.

ومن المفارقات المؤلمة أن التعليم الحكومي في السودان كان في عقود سابقة يمثل مصدر فخر ووسيلة حقيقية للترقي الاجتماعي، حيث كانت المدارس الحكومية تستقطب أفضل المعلمين وتخرج أجيالاً من الكفاءات التي أسهمت في بناء الدولة داخل السودان وخارجه. أما اليوم، فقد تدهورت البيئة التعليمية بصورة كبيرة نتيجة الأزمات الاقتصادية والحروب وضعف الإنفاق على التعليم، فأصبحت كثير من المدارس تعاني من نقص الفصول والوسائل التعليمية والكتاب المدرسي، فضلاً عن الاكتظاظ وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.

كما أن المعلم السوداني، الذي كان يحظى بمكانة اجتماعية ومهنية مرموقة، أصبح يواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، إذ تراجعت قيمة الرواتب إلى مستويات متدنية لا تساوي في بعض الحالات خمسة دولارات شهرياً، وهو واقع ينعكس بصورة مباشرة على العملية التعليمية وعلى قدرة المدارس الحكومية على الاحتفاظ بالكفاءات واستقطابها.

إن السودان الجديد الذي يحلم به الناس لا يقاس بالشعارات وحدها، بل بمدى استعداد القادة لتحمل ما يتحمله المواطنون. فالعدالة تبدأ عندما يصبح مصير أبناء المسؤولين مرتبطاً بمصير أبناء المزارعين والرعاة والعمال والنازحين، وعندما تصبح المدرسة الحكومية خياراً محترماً للجميع، لا ملاذاً اضطرارياً للفقراء فقط.

لهذا فإن مشهد جلوس مرتضى محمد حمدان دقلو لامتحانات الشهادة وسط طلاب دارفور يفتح باباً لنقاش أعمق: هل يمكن أن يكون السودان دولة يتساوى فيها أبناء القادة وأبناء الهامش في الفرص والحقوق؟ أم ستظل البلاد أسيرة واقع يدرس فيه أبناء النخب بعيداً عن الوطن، بينما يتحمل أبناء البسطاء وحدهم كلفة الأزمات والحروب؟

ذلك هو السؤال الذي ينتظر السودانيون الإجابة عنه، ليس بالكلمات وحدها، بل بالأفعال والسياسات التي تعيد الثقة في التعليم الحكومي وتمنح أبناء الوطن جميعاً فرصاً متكافئة للمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!