
محمد إبراهيم الاحمر المحامي

ما يهدد حكومة تأسيس اليوم ليس فقط الحرب والتحديات الأمنية والاقتصادية، وإنما وجود عناصر ما زالت تحمل عقلية المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية داخل مفاصل السلطة، وخاصة أولئك الذين وجدوا طريقهم إلى مواقع القرار عبر حصة الدعم السريع في المجلس الرئاسي والوزارات المختلفة.
هذه الحقيقة يعلمها الكثيرون داخل تحالف تأسيس، لكنهم اختاروا الصمت والمجاملة على حساب مشروع التغيير الذي ضحى من أجله الآلاف. غير أن التجارب علمتنا أن من تربى في مدرسة التمكين والمحسوبية لا يمكن أن يكون جزءاً من مشروع ثوري حقيقي، وأن هؤلاء سيظلون يمثلون “خميرة عكننة” داخل مؤسسات الحكومة، يعطلون الإصلاح ويحاربون كل صوت يطالب بالمحاسبة والشفافية.
ولعل ما حدث في ملف النفط خير مثال على ذلك. فعندما انتقدنا القرارات الأخيرة داخل الوزارة، لم يكن الهدف استهداف أشخاص أو تصفية حسابات سياسية، بل كان الهدف تصحيح مسار وزارة تمثل شرياناً اقتصادياً مهماً. لكن كعادتهم، هبّ المتماهون مع النظام السابق للدفاع المستميت عن وزير النفط الباشا طبيق، وكأن الوزارة أصبحت ملكية خاصة لا يجوز الاقتراب منها أو مساءلة قراراتها.
القضية ليست قضية أشخاص، وإنما قضية مؤسسات واحترام للقانون واللوائح. فمن غير المقبول أن يتم تجاوز القرارات العليا أو إصدار قرارات تفتقر إلى الوضوح في المهام والاختصاصات، ومن غير المقبول أيضاً إبعاد أصحاب الخبرة والكفاءة في قطاع النفط واستبدالهم بعناصر لا تملك التأهيل المطلوب، فقط لأن معيار الاختيار أصبح الولاء والمحسوبية بدلاً من الكفاءة والخبرة.
إن قطاع النفط ليس حقل تجارب، ولا مجالاً للمجاملات السياسية. فهو قطاع فني واستراتيجي يحتاج إلى خبرات متراكمة ومعرفة دقيقة، وأي عبث فيه ستكون تكلفته باهظة على الدولة والمواطنين.
المؤسف أن بعض المدافعين عن هذه القرارات لم يناقشوا مضمون الانتقادات، ولم يقدموا رداً موضوعياً على الأسئلة المطروحة، بل لجأوا إلى الأسلوب القديم الذي اشتهر به الفلول؛ مهاجمة الناقد بدلاً من الرد على النقد. وهي ذات العقلية التي أوصلت السودان إلى ما وصل إليه من أزمات وفساد وانهيار مؤسسات.
إن الثورة لم تقم لتعيد إنتاج ذات الوجوه والعقليات التي ثار الشعب ضدها، ولم تقدم التضحيات الجسام حتى تتحول مؤسسات حكومة تأسيس إلى ملاذ آمن للمتماهين مع المشروع القديم. ولذلك فإن معركة الإصلاح الحقيقية تبدأ بكشف هذه الممارسات ورفضها ومواجهة المحسوبية والولاءات السياسية أينما وجدت.
فإما أن تنتصر حكومة تأسيس لقيم الثورة والشفافية والكفاءة، أو تسمح للفلول والمتماهين معهم باختطاف مشروع التغيير من الداخل. والتاريخ يؤكد أن الثورات لا تسقط دائماً من الخارج، بل كثيراً ما تنهار عندما تتسلل إليها ذات العقليات التي خرجت الجماهير لإسقاطها.
محمد إبراهيم الأحمر
المحامي والناشط الحقوقي




