رأي

حين يتحول الدين إلى أداة خراب

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

أخطر الطغاة أولئك الذين يتحدثون باسم السماء وهم يصادرون حق الناس في الأرض

ليست مأساة السودان وليدة الحرب الراهنة وحدها، ولا هي نتاج صراع سياسي عابر على السلطة، بل هي حصيلة عقود طويلة من مشروع أيديولوجي قام على استغلال الدين وتوظيفه في السياسة وتحويله من رسالة أخلاقية جامعة إلى أداة للهيمنة والإقصاء والسيطرة. وما عرفه السودانيون من استبداد وفساد وانقسام وحروب لم يكن إلا الثمرة المرة لتجربة جماعات الإسلام السياسي التي اختارت أن تتحدث باسم الله بينما كانت تمارس أبشع أشكال الاستحواذ على الدولة والمجتمع.

لقد دخلت هذه الجماعات إلى المجال العام وهي ترفع شعارات الفضيلة والإصلاح، لكنها سرعان ما كشفت عن وجه آخر يقوم على احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية واحتكار الدين نفسه. فكل من خالفها الرأي أصبح في نظرها خصماً للوطن، وكل من رفض مشروعها صار عدواً للعقيدة، وكأن السودان خُلق من أجل تنظيم سياسي واحد، وكأن ملايين السودانيين لا يحق لهم التفكير أو الاختيار خارج الحدود التي رسمتها الجماعة لنفسها.

كانت الكارثة الكبرى أن هذا الفكر لم يكتفِ بالسيطرة على السلطة، بل سعى إلى إعادة تشكيل المجتمع كله وفق رؤيته الضيقة. فبدلاً من بناء دولة حديثة تتسع للجميع، جرى تفكيك مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات لخدمة التنظيم. لم يعد معيار الكفاءة هو العلم والخبرة، بل الولاء والطاعة. ولم تعد مؤسسات الخدمة العامة ملكاً للمواطنين، بل أصبحت جزءاً من منظومة التمكين التي ابتلعت الدولة وابتلعت معها فرص التنمية والاستقرار.

وحين تفشل الأفكار في إقناع الناس، تلجأ إلى القوة. لذلك لم يكن العنف في تجربة هذه الجماعات مجرد حادث عابر أو رد فعل مؤقت، بل كان جزءاً أصيلاً من بنيتها الفكرية والسياسية. فمن يؤمن بأنه يحتكر الحقيقة المطلقة لا يرى في المختلف شريكاً في الوطن، وإنما عقبة يجب إزاحتها. وهكذا تحولت المعارضة إلى جريمة، والنقد إلى خيانة، والرأي الحر إلى تهديد وجودي يستوجب القمع.

ولعل أكثر الجرائم خطورة تمثلت في استهداف الوعي نفسه. فقد أدركت هذه الجماعات أن الشعوب المتعلمة والقادرة على التفكير النقدي يصعب إخضاعها، لذلك تعرض التعليم لعملية تخريب منهجية طويلة المدى. أُضعفت المناهج، وتراجع البحث العلمي، وغُيبت قيم العقل والتنوير لصالح ثقافة التلقين والطاعة العمياء. وكان الهدف واضحاً؛ إنتاج أجيال تحفظ أكثر مما تفكر، وتطيع أكثر مما تسأل.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد رفعت السلطة شعارات الزهد والنزاهة بينما كانت البلاد تشهد أكبر عمليات إعادة توزيع للثروة والنفوذ لصالح فئة محدودة. فانتشرت شبكات الاحتكار والفساد، وتحوّلت الموارد العامة إلى أدوات للتمكين السياسي، بينما ازداد الفقراء فقراً واتسعت الهوة بين الشعارات الأخلاقية والممارسة الفعلية.

غير أن الشعوب لا يمكن أن تُخدع إلى الأبد. فقد جاءت الثورة السودانية لتكشف حجم التناقض بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات والواقع. خرج الشباب مطالبين بالحرية والعدالة والسلام، ليس فقط احتجاجاً على أزمة اقتصادية أو سياسية، بل رفضاً لمشروع كامل قام على استغلال المقدس لتحقيق مصالح دنيوية ضيقة.

واليوم، وبعد كل ما جرى، تبدو المهمة الوطنية الأكبر هي بناء دولة جديدة لا تقوم على احتكار الحقيقة ولا على توظيف الدين في الصراع السياسي. دولة تحترم التعدد وتكفل الحقوق المتساوية لجميع مواطنيها، وتعيد الاعتبار للقانون والمؤسسات والمواطنة بوصفها أساس الانتماء الوطني.

إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تستقر بالاستبداد، ولا تزدهر حين يتحول الدين إلى وسيلة للسيطرة على الناس. وما يحتاجه السودان أكثر من أي وقت مضى هو مشروع وطني يحرر السياسة من القداسة، ويحرر الدين من الاستغلال، ويحرر الإنسان من الخوف.

فحين يصبح الدين جسراً للأخلاق ينهض المجتمع، أما حين يتحول إلى أداة للسلطة، فإن النتيجة تكون دائماً الخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!