
نجوي بابو
لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع على السلطة بين أطراف عسكرية أو سياسية، بل أصبحت تعبيرًا عن أزمة بنيوية في بناء الدولة، كشفت عن اختلالات تراكمت على مدى عقود في إدارة السلطة والموارد والتنوع الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فإن فهم ما يجري اليوم يقتضي تجاوز القراءة التي تحصر الأزمة في المواجهات العسكرية إلى تحليل البنية الجيوبوليتيكية التي أسهمت في إنتاج الصراع وإعادة إنتاجه.
ولا يعني مفهوم جغرافية الشر السياسية وجود شر متأصل في مكان أو جماعة بعينها، بل يشير إلى البيئات التي تتشكل فيها عوامل التهميش والإقصاء وضعف المؤسسات، فتتحول الجغرافيا من عنصرٍ للتكامل إلى أداةٍ للصراع. فحين يغيب الحكم الرشيد، وتختل العدالة في توزيع السلطة والثروة، تصبح المناطق المهمشة أكثر عرضة لدوامات العنف وعدم الاستقرار.
ويتمتع السودان بموقع جيواستراتيجي فريد؛ إذ يشكل حلقة وصل بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي، ويطل على البحر الأحمر، ويرتبط بحوض النيل ومنطقة الساحل. وكان من الممكن أن يجعل هذا الموقع البلاد مركزًا للتكامل الاقتصادي والتعاون الإقليمي، إلا أن هشاشة مؤسسات الدولة وتداخل المصالح الإقليمية والدولية حوّلاه إلى ساحة تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، بما زاد من تعقيد الأزمة.
فقد أفضت المركزية المفرطة، واختلال التنمية بين الأقاليم، إلى تنامي الشعور بالتهميش، بينما أخفقت الدولة في بناء عقد اجتماعي يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. ولم يكن التنوع الثقافي والإثني سببًا للصراع، بل إن سوء إدارة هذا التنوع هو الذي حوّله إلى أداة للاستقطاب السياسي والتنافس على النفوذ.
فبدلًا من أن تكون الموارد الطبيعية ركيزةً للتنمية، أصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من معادلة القوة والصراع، ونشأت حولها شبكات مصالح ارتبطت باقتصاد الحرب، وهو اقتصاد يزدهر في ظل غياب الاستقرار، ويجعل استمرار النزاع أكثر جدوى لبعض الفاعلين من إنهائه. ومن ثم، فإن أي تسوية سياسية لن تحقق سلامًا مستدامًا ما لم تقترن بإصلاح اقتصادي ومؤسسي يعيد توجيه الموارد نحو التنمية، ويعزز الشفافية، ويستعيد ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
خلّفت الحرب كلفةً اجتماعيةً باهظة، تمثلت في تآكل الثقة بين المواطنين، وإضعاف الروابط المجتمعية، واتساع فجوة الثقة بين المجتمع والدولة. وهذه الخسائر لا تقل خطورة عن الدمار المادي إذ إن إعادة بناء الأوطان تبدأ باستعادة الثقة قبل إعادة تشييد البنية التحتية.
إن مستقبل السودان لن يُصنع في ميادين القتال وحدها، بل في قدرة السودانيين على تأسيس دولة حديثة تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة، والإدارة الرشيدة للموارد، والتنمية المتوازنة بين الأقاليم. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الدول لا تنهار بسبب تنوعها، وإنما بسبب إخفاقها في إدارة هذا التنوع ضمن مؤسسات عادلة وفاعلة.
إن المعركة الحقيقية ليست معركة إنهاء الحرب فحسب، بل معركة إعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المجتمع بمؤسساته. وعندما تتحول الجغرافيا من ميدانٍ للتنافس إلى فضاءٍ للتكامل، وتصبح الموارد رافعةً للتنمية بدلًا من أن تكون وقودًا للصراع، يستطيع السودان أن يفتح صفحة جديدة تؤسس لاستقرار دائم، ودولة قادرة على تحويل موقعها الاستراتيجي وتنوعها الثقافي إلى مصدر قوة وازدهار.




