
مقال الخميس د. عمر القراي
(مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا)
صدق الله العظيم
كتب السيد مبارك عبد الله الفاضل المهدي (سبق أن توصلت القوى السياسية السودانية في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995م لمعالجة قضية العلاقة بين الدين والدولة والسياسة. وقد قامت تلك الصيغة على مبدأ الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية وعلى تضمين المواثيق الدولية لحقوق الانسان في الدستور باعتبارها الضمانات الأساسية لحقوق وحريات جميع المواطنين دون تمييز) (وسائل التواصل). والسيد مبارك يورد هذا الكلام، ليسوق السياسيين المتحاورين اليوم، الى نفس المعالجات القديمة، التي قادتها الأحزاب التقليدية، وصاحبها الفشل، حتى آلت الأمور، الى ما نحن فيه الآن.
وهو هنا، يحاول تقديم اعتراض فكري، وسياسي، على شعار “فصل الدين عن الدولة”، الذي اثير في اجتماع نيروبي. ولذلك يقول (أثار الشعار الذي رفعه بعض المشاركين في اجتماع نيروبي الأخير حول “فصل الدين عن الدولة” تساؤلات جوهرية تتعلق بطبيعة العمل الديمقراطي … فالذين طرحوا هذا الشعار يفترض أنهم ينتمون الى قوى تؤمن بالديمقراطية وبالوصول الى السلطة عبر صناديق الاقتراع. وإذا كان الامر كذلك فإن المكان الطبيعي لطرح مثل هذه الشعارات هو البرامج الانتخابية التي تعرض على الشعب السوداني ليقرر بشأنها عبر الانتخابات الحرة. أما محاولة فرض مثل هذه القضايا الفكرية والسياسية الكبرى من خلال التكتلات السياسية أو الاتفاقات بين مجموعات محدودة فإنها تناقض جوهر الممارسة الديمقراطية نفسها التي تقوم على الاحتكام الى إرادة الشعب) هذا ما خطه مبارك الفاضل، وهو ملئ بالأغلاط. فاجتماع نيروبي، والاجتماعات المماثلة، التي تضم السودانيين، ويتحاورون فيها عن كيفية حكم بلادهم، بعد إيقاف الحرب، هي المكان المناسب لطرح الأفكار الأساسية، التي يظن أصحابها، أن بها وحدها، يمكن أن يتحقق النظام المدني الديمقراطي. ولما كانت تجربة الإنقاذ، التي عذبت الشعب ثلاثين عاماً، تعتمد على فهم ديني، كان تقديم فصل الدين عن الدولة، أمراً بديهياً، لما يقدم كبديل عنها. وما دام السيد مبارك الفاضل، يعتز بتجربة مؤتمر أسمرا، فلماذا ناقشت تلك التجربة، الالتزام بقوانين حقوق الانسان، وضرورة تضمينها في الدستور، ولم تترك هذا الأمر الهام، حتى تطرحه الأحزاب التي تريده، في برامجها الانتخابية؟! إن القضايا الجوهرية، التي تمثل جوهر الحقوق، لا تترك للأغلبية الميكانيكية، حتى تقررها في الصناديق، لأن الأغلبية لو أجمعت على مصادرة حق الأقلية، فإن اجماعها لا عبرة به، وموقفها باطل. وهذا ما حدث في قضية حل الحزب الشيوعي السوداني. فقد أجمعت غالبية البرلمان من الأحزاب الطائفية والاخوان المسلمين، على حرمان الشيوعيين من حقهم الدستوري، وعدلوا المادة 5/2 التي تعطي أي مجموعة حق التنظيم والدعوة الى افكارها، ثم قاموا بناء على هذا التعديل، بطرد النواب الشيوعيين من البرلمان. وحين اشتكى الحزب الشيوعي، حكمت المحكمة العليا لصالحه، ووجهت الحكومة بإرجاع النواب. ولكن السيد الصادق المهدي رحمه الله، وكان رئيس الوزراء، رفض قرار المحكمة العليا، وأصر على طرد النواب، مما اعتبر أكبر ضربة للديمقراطية، وأكبر إساءة لاستقلال القضاء.
إن من أهم أسباب، عجز الحكومات الحزبية، المتعاقبة منذ الاستقلال، عن تحقيق الديمقراطية، أن كل الدساتير المؤقتة، كانت تنص على أن الشريعة الإسلامية، هي مرجعية الدستور. ولذلك كان من السهل الاعتماد على هذا التقرير، وسن قوانين مخالفة لحقوق الانسان، بحجة إنها تقوم على الشريعة. وبعد اتفاقية السلام الشامل، وقيام دستور 2005م، الذي وافقت عليه الحركة الشعبية، لتحرير السودان، بقيادة جون قرنق رحمه الله، إضيف فيه الى مرجعية الدستور، الشريعة وكريم المعتقدات. ومع ذلك اعتمدت عليه الحكومة، رغم مشاركة الحركة الشعبية غير المؤثرة فيها، وسنت قوانين مقيدة للحريات، مثل قانون النظام العام، الذي تم بموجبه جلد 43 ألف امرأة بتهمة الزي الفاضح، ولبس البنطلون، وكان معظمهن من نساء جنوب السودان.
يقول مبارك الفاضل (ومن الناحية المفاهيمية فإن شعار “فصل الدين عن الدولة” يفتقر الى الدقة فالدولة مسؤولة عن تنظيم الشعائر الدينية وحماية حرية المعتقد وتنظيم دور العبادة ولذلك فإن الحديث الأدق ليس عن فصل الدين عن الدولة وإنما منع استغلال الدين في العمل السياسي والحزبي) ولكن الذين يرفعون شعار “فصل الدين عن الدولة”، لا يرون أن من واجبات الدولة، تنظيم الشعائر الدينية، وحماية دور العبادة. وإنما واجبها حماية المواطنين، ومنع الاعتداء عليهم، سواء ان كانوا في مسجد، أو كنيسة، أو معبد يهودي، أو مركز للإلحاد، أو صالة رقص، أو ملعب كرة قدم. ولا يمكن أن يمنع استغلال الدين، في العمل السياسي، إلا إذا أبعد الدين عن الدولة ومؤسساتها. على أن الأحزاب التي قامت على أديم ديني، وخاصة الأحزاب الطائفية، التي اعتمدت على الدين، لاستغلال الآخرين، لا يمكنها أن تخاطب جمهورها، بضرورة “فصل الدين عن الدولة”، في ظروف السودان الحاضرة. وقد كانت لسنين تحدثهم عن غاية حياتهم، في الدنيا، وسعادتهم في الآخرة، اتباع السيد فلان أو السيد علان زعيم الطائفة الدينية.
وحتى يعطي وزناً لكلامه، ويستقطب بعض أعضاء حزب الأمة، الذين وافقوا مع تأسيس، على فصل الدين عن الدولة، ذكرنا السيد مبارك الفاضل، أن السيد الصادق المهدي، كان معه في هذا الفهم، فقال (وقد عبر الامام الصادق المهدي رحمه الله عن هذا المعنى بوضوح عندما رد على دعوات مماثلة للأستاذ عبد العزيز الحلو مؤكداً إن هذه القضايا لا تفرض بواسطة أي طرف سياسي وانما يقررها الشعب السوداني عبر الوسائل الديمقراطية وصناديق الاقتراع). وعبد العزيز الحلو، ظل يرفع شعار العلمانية، لكنه لم يفرضه، وان حاور فيه. والذين يتحاوروا من السودانيين، يتفقون على تحقيق شعارات ثورة ديسمبر العظيمة، باعتبارها أكبر توافق حدث للشعب السوداني، في تاريخه الطويل. وهذه الشعارات: حرية سلام وعدالة، المتفق على تطبيقها في الحكومة المدنية الديمقراطية، القادمة، لابد من التشاور، حول ما يحول دون تطبيقها. وهنا جاء الطرح، الذي يقول، لا يمكن تطبيق هذه الشعارات، الا بفصل الدين عن الدولة. وكون السيد مبارك الفاضل لا يوافق على هذا الطرح، الآن، وكون السيد الصادق المهدي قد رفضه من قبل، لا يعني أنه يجب الا يطرح في الحوار بين السودانيين. ويسكت عنه حتى تأتي الانتخابات ليكون من شعاراتها.
ويبدو ان السيد مبارك الفاضل، شعر بأن طرحه هذا، يجعله قريب من الاخوان المسلمين، أو متبني لأطروحتهم في الدولة الدينية، ولذلك قال (إن القضية ليست دفاعاً عن تجربة الإنقاذ أو تبريراً لها فهذه تجربة اثبتت فشلها) هل حقاً أن مبارك الفاضل يعتبر حكومة الاخوان المسلمين تجربة فاشلة؟! السؤال هو: متى فشلت؟! ولماذا فشلت؟!
وأهم من ذلك، هل كان السيد مبارك الفاضل، حريصاً على الديمقراطية، أو حريصاً على مصلحة الوطن؟!
بل هل كان السيد الصادق المهدي نفسه حريصاً على الديمقراطية؟ أو حريصاً على مصلحة الوطن؟! هذه الأسئلة هي موضوع مقالنا الثاني في التعقيب على السيد مبارك الفاضل والذي سوف ننشره بإذن الله الأسبوع القادم.
11 يونيو 2026م
–




