
الصادق آدم المأمون “كجيرة”
في زمنٍ تتساقط فيه القذائف على المدن والقرى، وتتعطل فيه سلاسل الإمداد وتضيق فيه سبل العيش، يظل المزارع السوداني هو الحارس الصامت للحياة. فبينما تنشغل أطراف الحرب بمعاركها، ينشغل أهل الأرض بمعركة أخرى أكثر نبلاً؛ معركة البقاء والإنتاج وصناعة الأمل.
في سهول كردفان ووديان دارفور وعلى امتداد مناطق الزراعة المطرية والرعي التقليدي، يثبت المنتجون الحقيقيون يوماً بعد يوم أنهم الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. فعلى الرغم من ندرة البذور المحسنة، وضعف الخدمات الزراعية، وغياب برامج مكافحة الآفات، والمهددات الأمنية التي تحيط بالمزارعين من كل جانب، لم تتوقف الأيدي عن حرث الأرض ولم تتراجع الإرادة أمام المصاعب.
ها هو الموسم الزراعي الرابع في ظل الحرب يطرق الأبواب، وها هم المزارعون يستقبلونه بنفس الروح التي واجهوا بها المواسم السابقة؛ روح التوكل على الله والعمل الجاد والإيمان بأن الأرض لا تخذل من يخدمها بإخلاص.
لقد حافظت قيم التكافل الاجتماعي السودانية على تماسك المجتمعات الريفية رغم الظروف القاسية. فالنفير والضحوة والتعاون بين الأسر والجيران لم تكن مجرد عادات اجتماعية، بل تحولت إلى أدوات حقيقية لمواجهة آثار الحرب وحماية الأمن الغذائي للمجتمعات المحلية.
وفي هذا الموسم، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز هذه القيم النبيلة. فهناك آلاف الأسر التي أجبرتها الحرب على مغادرة المدن واللجوء إلى الأرياف، لكنها لا تمتلك أراضي أو وسائل إنتاج تمكنها من تأمين احتياجاتها الأساسية. إن تخصيص جزء من الأرض لهؤلاء ليس مجرد مساعدة عابرة، بل استثمار في استقرار المجتمع وتماسكه.
كما أن الأيتام والأرامل وكبار السن والضعفاء يحتاجون إلى وقفة صادقة من أهل الخير والقدرة. ويمكن لكل مجتمع أن يخصص يوماً للعمل الجماعي في خدمة هذه الفئات، دعماً لهم وحفظاً لكرامتهم وتخفيفاً لمعاناتهم.
أما المقتدرون من أصحاب الإمكانات، فإن مساهمتهم في توفير البذور أو أدوات الإنتاج أو وسائل النقل والتخزين ستكون دعماً مباشراً لمعركة الإنتاج التي يخوضها المزارعون نيابة عن الوطن كله.
إن السنابل التي ستنمو هذا العام ليست مجرد محصول زراعي، بل رسالة تحدٍ في وجه الحرب، ودليل على أن إرادة الحياة أقوى من أصوات البنادق. وعندما يحين موسم الحصاد وتتمايل الحقول الخضراء تحت شمس الشتاء، سيكون النجاح الحقيقي هو أن يجد المنتجون أسواقاً عادلة وسياسات داعمة تحفظ لهم حقوقهم وتكافئ جهدهم.
فالزراعة لم تعد مجرد نشاط اقتصادي في السودان اليوم، بل أصبحت عنواناً للصمود الوطني، وجسراً نحو التعافي، وأملاً متجدداً في أن تنتصر الحياة على الحرب، وأن تبقى السنابل شامخة حيث أراد البارود أن يفرض سطوته.




