هل يحسم الجهاز التشريعي بحكومة السلام والوحدة تداخل الاختصاصات بين رئيس الجهاز التنفيذي وحكام الأقاليم؟(٣_٣)
جمعة حراز يكتب

جمعة حراز يكتب
تعقيب على رؤية الأستاذ عبدالله جمعة النور رئيس اتحاد المهنيين والنقابات
تدخل السودان اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه السياسي والإداري، حيث لم يعد النقاش حول شكل الدولة ومستويات الحكم ترفاً فكرياً أو جدلاً دستورياً معزولاً، بل أصبح جزءاً أصيلاً من معركة بناء الدولة الجديدة وإعادة تأسيس مؤسساتها على أسس أكثر عدالة وكفاءة واستدامة.
تكتسب الرؤية التي طرحها الأستاذ عبدالله جمعة النور أهمية خاصة، لأنها تلامس واحدة من أعقد القضايا التي صاحبت التجربة الفيدرالية السودانية طوال العقود الماضية، وهي قضية تضارب الاختصاصات وتداخل السلطات بين مستويات الحكم المختلفة، وما ترتب عليها من ازدواجية القرار وضعف التنسيق وتضخم الإنفاق الحكومي.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم يتمثل في: هل سينجح الجهاز التشريعي في حكومة السلام والوحدة في وضع إطار قانوني ودستوري يحسم بصورة نهائية العلاقة بين رئيس الجهاز التنفيذي وحكام الأقاليم؟
لقد أظهرت التجارب السابقة أن غياب الحدود الواضحة بين السلطات التنفيذية على المستوى القومي والإقليمي أدى إلى ظهور مراكز قرار متوازية، وأحياناً متنافسة، الأمر الذي انعكس سلباً على الأداء الحكومي وعلى قدرة الدولة في تنفيذ السياسات العامة وتحقيق التنمية المتوازنة.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام المشرع لا يتمثل فقط في إعادة توزيع السلطات، وإنما في بناء فلسفة حكم جديدة تنطلق من مبدأ التكامل لا التنافس، ومن الشراكة لا الازدواجية.
الفيدرالية الجديدة… من إعادة التقسيم إلى إعادة البناء
إن الفيدرالية التي تحتاجها السودان اليوم ليست مجرد إعادة رسم للحدود الإدارية أو استبدال مسميات بمسميات أخرى، وإنما مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة من القاعدة إلى القمة.
وتقتضي هذه الرؤية أن تتولى الحكومة الاتحادية مسؤولية السياسات القومية والقضايا السيادية والاقتصادية والاستراتيجية، بينما يضطلع الإقليم بدور التخطيط والتنسيق والإشراف على التنمية الإقليمية، في حين يصبح الحكم المحلي المستوى الأقرب للمواطن والمسؤول الأول عن الخدمات والتنمية المجتمعية.
وبذلك تنتقل الدولة من نموذج التداخل والصراع المؤسسي إلى نموذج التكامل الوظيفي وتوزيع الأدوار بصورة دقيقة وواضحة.
إضاءة أولى: ضرورة معالجة العلاقة بين حاكم الإقليم ورئيس الجهاز التنفيذي
من أهم القضايا التي تحتاج إلى معالجة تشريعية دقيقة في دستور حكومة السلام والوحدة مسألة العلاقة بين حاكم الإقليم ورئيس الجهاز التنفيذي.
ففي بعض الصيغ المطروحة تبدو سلطات حاكم الإقليم أوسع من سلطات رئيس الجهاز التنفيذي، الأمر الذي قد يخلق ازدواجية في القيادة التنفيذية داخل الإقليم ويضعف وحدة القرار الحكومي.
لذلك فإن نجاح التجربة الفيدرالية الجديدة يتطلب:
– تحديد المرجعية التنفيذية بصورة واضحة.
– منع تضارب الاختصاصات بين المؤسستين.
– اعتماد مبدأ المساءلة المتبادلة.
– بناء علاقة تكاملية تقوم على توزيع المهام لا تنازع السلطات.
– ربط الصلاحيات بالمسؤوليات بصورة مباشرة.
فالدولة الحديثة لا تُدار بتعدد الرؤوس التنفيذية، وإنما بوحدة القيادة ووضوح المسؤولية.
إضاءة ثانية: قراءة جديدة لقانون الحكم المحلي
لقد أثبتت التجربة أن كثيراً من المحليات القائمة أصبحت عبئاً إدارياً ومالياً يفوق قدرتها على تقديم الخدمات، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في الهيكل الإداري برمته.
ومن هنا تبرز فكرة التحول من نظام المحليات التقليدي إلى نظام المحافظات بوصفه أحد البدائل العملية التي تستجيب لمتطلبات المرحلة.
ويقوم هذا النموذج على:
– إلغاء المستوى الولائي بصورته التقليدية.
– اعتماد الأقاليم كوحدات حكم رئيسية.
– إنشاء محافظات ذات حدود إدارية واضحة.
– ربط المحافظات مباشرة بحكومة الإقليم.
– تقليص الهياكل البيروقراطية المتعددة.
– تعزيز كفاءة الإنفاق العام.
وفي إقليم دارفور يمكن أن يشكل هذا النموذج مدخلاً عملياً لتحقيق التنمية المكانية المتوازنة من خلال توزيع المحافظات وفق الاعتبارات السكانية والجغرافية والتنموية.
الحكم المحلي… من الإدارة إلى التنمية
القراءة الجديدة لقانون الحكم المحلي ينبغي ألا تنظر إلى الحكم المحلي باعتباره جهازاً خدمياً فقط، بل باعتباره محركاً للتنمية المحلية ومؤسسة لصناعة القرار المجتمعي.
ولذلك يجب أن يمنح القانون الجديد سلطات حقيقية للمجتمعات المحلية في:
– التخطيط التنموي.
– إدارة الموارد المحلية.
– الرقابة الشعبية.
– إعداد الموازنات المحلية.
– المشاركة في تحديد الأولويات التنموية.
فكلما اقترب القرار من المواطن ازدادت فعاليته وارتفعت كفاءة التنفيذ.
نحو دولة أقل كلفة وأكثر فاعلية
إن أحد أهم أهداف الإصلاح الإداري المرتقب يتمثل في توجيه الموارد نحو التنمية بدلاً من استنزافها في الإنفاق الحكومي المتضخم.
ولهذا فإن إعادة هندسة مستويات الحكم يجب أن تحقق:
1. خفض تكلفة الإدارة الحكومية.
2. تقليص عدد المؤسسات المتشابهة.
3. إزالة التداخل في الاختصاصات.
4. تعزيز الشفافية والمساءلة.
5. رفع كفاءة تقديم الخدمات.
6. تحقيق العدالة المكانية.
7. دعم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
إن معركة بناء الدولة السودانية الجديدة لن تُحسم فقط عبر الاتفاقات السياسية، وإنما عبر بناء مؤسسات حكم رشيد تمتلك وضوح الرؤية وتماسك الهياكل وكفاءة الأداء.
ومن هنا فإن قانون الحكم المحلي وقانون الحكم اللامركزي المرتقبين يمثلان حجر الزاوية في مشروع حكومة السلام والوحدة، لأنهما سيحددان شكل الدولة لعقود قادمة.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الجهاز التشريعي في إنتاج منظومة قانونية حديثة تحسم تداخل الاختصاصات، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين المركز والأقاليم، وتمنح الحكم المحلي سلطاته الحقيقية، لتولد من رحم التأسيس دولة سودانية جديدة أكثر عدالة وكفاءة وقدرة على تحقيق السلام والتنمية والاستقرار.
النتائج والتوصيات والحلول المقترحة
إن القراءة المتأنية لتجارب الحكم اللامركزي السابقة، وما أفرزته من تحديات إدارية وسياسية وتنموية، تقود إلى جملة من النتائج التي ينبغي أن تشكل مرتكزاً أساسياً عند صياغة قانون الحكم اللامركزي وقانون الحكم المحلي في ظل حكومة السلام والوحدة.
أولاً: النتائج
1. أثبتت التجربة السابقة أن تعدد مستويات الحكم وتداخل الاختصاصات بين المؤسسات التنفيذية أدى إلى ضعف كفاءة الإدارة العامة وتضارب القرارات وتراجع فعالية الأداء الحكومي.
2. أفضت الهياكل الإدارية المتضخمة إلى استنزاف الموارد العامة في الإنفاق التشغيلي والإداري على حساب الخدمات الأساسية ومشروعات التنمية.
3. كشفت التجربة الفيدرالية السابقة عن غياب حدود واضحة للعلاقة بين رئيس الجهاز التنفيذي وحكام الأقاليم، الأمر الذي أوجد ازدواجية في السلطة التنفيذية وأضعف وحدة القرار الحكومي.
4. لم يحقق نظام الولايات بالصورة التي طُبقت خلال العقود الماضية أهداف التنمية المتوازنة والعدالة المكانية المنشودة.
5. أثبتت الأزمات الوطنية والحرب الراهنة الحاجة إلى نظام حكم أكثر مرونة وكفاءة، قادر على الاستجابة السريعة للمتغيرات وتحقيق الاستقرار الإداري والخدمي.
6. أظهرت التجارب المقارنة أن الحكم المحلي القوي يمثل الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة وتعزيز المشاركة الشعبية والرقابة المجتمعية.
7. أصبح إصلاح نظام الحكم ضرورة وطنية لإعادة بناء الدولة وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والكفاءة المؤسسية.
ثانياً: التوصيات
1. إصدار قانون حديث للحكم اللامركزي يحدد بصورة دقيقة الاختصاصات والسلطات والمسؤوليات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات والحكم المحلي.
2. حسم العلاقة القانونية والدستورية بين حاكم الإقليم ورئيس الجهاز التنفيذي بما يمنع تضارب الصلاحيات ويحقق وحدة القرار التنفيذي.
3. اعتماد نظام الأقاليم باعتباره المستوى الرئيسي للحكم دون العودة إلى تعدد الولايات بصيغتها التقليدية.
4. إعادة هندسة المحليات الحالية وتحويلها إلى محافظات وفق معايير فنية وسكانية وجغرافية وتنموية.
5. تمكين المحافظات من أداء دورها التنفيذي والإداري باعتبارها حلقة الوصل بين حكومة الإقليم والحكم المحلي.
6. تعزيز سلطات الحكم المحلي في مجالات الخدمات والتنمية وإدارة الموارد المحلية.
7. بناء نظام مالي عادل يضمن توزيع الإيرادات وفق معايير الكثافة السكانية والحاجة التنموية والعدالة المكانية.
8. ترسيخ مبادئ الكفاءة والمهنية في شغل الوظائف العامة وإبعاد الخدمة المدنية عن الاستقطاب السياسي.
9. تطوير آليات الرقابة والمساءلة المؤسسية بين مستويات الحكم المختلفة.
10. تضمين مبادئ التنمية المتوازنة والعدالة المكانية ضمن الأسس الدستورية الحاكمة للدولة.
ثالثاً: الحلول العملية المقترحة
على المستوى الدستوري والتشريعي
– النص بشكل واضح على اختصاصات كل مستوى من مستويات الحكم.
– تحديد المرجعية التنفيذية العليا داخل الإقليم بصورة تمنع الازدواجية والتنازع.
– إنشاء آلية دستورية مستقلة للفصل في النزاعات بين مستويات الحكم المختلفة.
– مراجعة جميع القوانين المنظمة للحكم المحلي بما يتوافق مع الفيدرالية الجديدة.
على المستوى الإداري
– إلغاء المستوى الولائي واستبداله بنظام الأقاليم والمحافظات.
– دمج الوحدات الإدارية غير القادرة على الاستمرار مالياً وإدارياً.
– تقليص الهياكل البيروقراطية وتوحيد المؤسسات ذات الاختصاصات المتشابهة.
– بناء جهاز إداري مهني يعتمد على الكفاءة والتخصص.
على المستوى المالي
– تخصيص نسب واضحة وثابتة من الإيرادات العامة للأقاليم والمحافظات.
– توجيه الوفورات الناتجة عن تقليص الهياكل الحكومية نحو التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية.
– إنشاء صناديق للتنمية المكانية لمعالجة الاختلالات التنموية بين المناطق.
على مستوى الحكم المحلي
– منح المجالس المحلية سلطات حقيقية في التخطيط وإدارة الخدمات.
– إشراك المواطنين والمجتمعات المحلية في تحديد أولويات التنمية.
– تعزيز الرقابة الشعبية والشفافية في إدارة الموارد العامة.
– دعم مبادرات التنمية المحلية باعتبارها أساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
إن بناء دولة السلام والوحدة يتطلب الانتقال من فلسفة تعدد الهياكل إلى فلسفة وضوح الاختصاصات، ومن مركزية القرار إلى شراكة المستويات المختلفة في إدارة الدولة. كما أن نجاح الفيدرالية الجديدة يرتبط بقدرة الجهاز التشريعي على إنتاج منظومة قانونية متماسكة تحسم تداخل السلطات بين رئيس الجهاز التنفيذي وحكام الأقاليم، وتؤسس لنظام حكم محلي قوي وفعّال، يجعل التنمية والخدمات أقرب إلى المواطن، ويحقق العدالة المكانية والتنمية المتوازنة والاستقرار المستدام في دارفور والسودان عموماً.
وأخيرا
لقد سعينا إلى تقديم رؤية تستند إلى التجربة والدراسة واستشراف المستقبل…..
لقد استندت هذه الرؤية إلى قراءة متأنية للتجارب السودانية المتعاقبة في الحكم اللامركزي، واستفادت من العديد من المراجع والدراسات والكتب المتخصصة في الإدارة العامة والحكم المحلي والفيدرالية والتنمية المكانية، فضلاً عن التجارب الإقليمية والدولية المقارنة، سعياً للإسهام في حوار وطني جاد حول مستقبل الدولة السودانية ومؤسساتها في مرحلة التأسيس الجديدة.
وما ورد فيها لا يمثل حقائق نهائية أو أحكاماً مطلقة، وإنما اجتهاد فكري قابل للنقاش والتطوير والإضافة، غايته الوصول إلى أفضل الصيغ التي تحقق الاستقرار السياسي والكفاءة الإدارية والعدالة التنموية لشعب السودان.
فإن أصبنا فمن الله، وإن أخطأنا فذلك من قصور البشر، ويبقى الوطن أكبر من الاشخاص
جمعة حراز ضابط إداري




