رأي

سلام منتصف الظلام

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في الحرب السودانية، لا يتوقف الصراع عند حدود الميدان العسكري، بل يمتد إلى فضاء الرواية والمعلومة، حيث لا تعود الأخبار مجرد وصف للواقع، بل تتحول إلى أداة من أدوات إدارة الحرب نفسها.

في هذا السياق، برزت قضية البلاغ الصادر عن نيابة أمن الدولة ضد الصحفية السودانية صباح محمد الحسن، بتهم تتصل بنشر أخبار كاذبة وتقويض النظام الدستوري، على خلفية معلومات نُشرت بشأن تحركات منسوبة لرئيس مجلس السيادة نحو دولة الإمارات.

هذه المعلومات لم تمر عبر القنوات الرسمية، بل عبر مصادر صحفية، قبل أن تتحول سريعًا إلى ملف قانوني، بما يكشف انتقال المعلومة من حيّز التداول الإعلامي إلى حيّز الاشتباك السياسي والقانوني، لا باعتبارها خبرًا فقط، بل باعتبارها مادة نزاع.

ومن هنا لا يعود السؤال مرتبطًا بصحة الواقعة أو نفيها، بل بكيفية إدارة الحقيقة نفسها في زمن الحرب، من يحددها، ومن يملك سلطة ضبطها، ومن يقرر حدود تداولها.

في امتداد هذا السياق، يبرز ملف السلام بوصفه أكثر من مجرد مسار تفاوضي، بل كمرآة لبنية الحرب ذاتها، وما تحمله من تناقضات داخلية بين الخطاب والواقع.

فالسلام يُقدَّم في الخطاب السياسي كاتجاه نحو إنهاء الحرب، بينما يظل الواقع الميداني يتحرك بإيقاع مختلف، ما يخلق انفصالًا دائمًا بين ما يُقال وما يحدث، ويقوض تدريجيًا ثقة الرأي العام في جدوى المسارات المطروحة.

في هذه الحرب، لم يعد السلام نقيضًا لها، بل أحد تعقيداتها الداخلية.

لكن هذا الانفصال لا يمكن فهمه بمعزل عن بنية القرار داخل أطراف الحرب نفسها.

في النماذج التي تقوم على مركزية قرار واضحة، يصبح التفاوض أكثر قابلية للحسم، لأن القرار النهائي يخرج من نقطة واحدة، حتى مع وجود تباينات داخلية محدودة.

أما في الحالة السودانية، فالمعادلة أكثر تعقيدًا.

المؤسسة العسكرية تتحرك داخل بنية متعددة المستويات من التأثير والقرار، تتداخل فيها مراكز مختلفة للقوة والنفوذ، إلى جانب تشكيلات وقوى مساندة تمتلك قدرة فعلية على التأثير في اتجاه القرار أو إعادة تشكيله.

وفي المقابل، يتسم الطرف الآخر في الصراع — قوات الدعم السريع — بدرجة أعلى من مركزية القرار، بما يمنحه قدرة أكبر على ضبط نمط تحركه السياسي والعسكري بصورة أكثر تماسكًا ووضوحًا.

هذا التباين البنيوي يتحول إلى عامل مباشر في إطالة أمد الحرب.

فكل محاولة للتفاوض داخل طرف متعدد مراكز القرار تصطدم بتباين داخلي، بينما يتحرك الطرف الآخر بإيقاع أكثر انضباطًا، ما يخلق خللًا مستمرًا في ديناميكية الوصول إلى تسوية.

ويتعزز هذا التعقيد بواقع ميداني يتسم بانتشار واسع للسلاح وتعدد الفاعلين داخل العاصمة ومحيطها، بما يجعل البيئة المحيطة بأي مسار تفاوضي بيئة غير مستقرة، قابلة لإعادة التشكل في أي لحظة.

وفي موازاة ذلك، لا يتراجع فقط شكل الحرب، بل يتغير أيضًا معنى “السلام” داخل الخطاب نفسه.

فما كان يُقدَّم في السابق بوصفه خروجًا عن الاصطفاف أو تنازلًا في زمن الحرب، لم يعد يحتفظ بذات الدلالة الصلبة، في ظل تحولات داخل معسكرات القتال نفسها، وإعادة تموضع شخصيات عسكرية داخل الأطراف المتصارعة، بما يكشف أن حدود الاصطفاف ليست ثابتة كما كان يُفترض.

هذا التحول لا يُسقط فقط وصمة الماضي عن فكرة السلام، بل يكشف أن الخط الفاصل بين الحرب والتسوية ليس أخلاقيًا كما كان يُصوَّر، بل سياسي متغير، تحكمه موازين القوة لا الأحكام المسبقة.

في النهاية، لا يظهر ملف السلام كمسار متدرج نحو نهاية واضحة، بل كعملية تتشكل داخل صراع مفتوح على تعريف الحقيقة، والشرعية، وحدود القرار نفسه.

ما لم تُحسم مراكز القرار داخل الحرب، سيظل الحديث عن السلام جزءًا من استمرارها، لا خروجًا منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!