رأي

الدولة الحديثة بين سلطان القبيلة وسيادة المؤسسات

م. محمد غافل رئيس اللجان المدنية السودانية.. يكتب

 

م. محمد غافل رئيس اللجان المدنية السودانية.. يكتب

يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي تتحدد عنده ملامح الدولة التي ستنشأ من بين ركام الحرب وأزمات الماضي. فالسؤال الذي يواجه السودانيين لم يعد متعلقاً فقط بمن يحكم، وإنما بكيفية الحكم، وبالأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الوطنية القادرة على تحقيق السلام والاستقرار والعدالة والمساواة بين جميع أبنائها.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الدول لا تستقر حين تصبح الولاءات الأولية أقوى من الولاء الوطني الجامع، كما أثبتت أن غياب المؤسسات الراسخة وسيادة القانون يفتح الأبواب أمام النزاعات والانقسامات والصراعات التي تستنزف المجتمعات وتُضعف الدولة وتُهدد وحدتها.

ولا يمكن لأي قراءة موضوعية للتاريخ السوداني أن تتجاهل الدور الاجتماعي والثقافي الذي لعبته القبائل في تنظيم حياة المجتمعات المحلية وحفظ التماسك الاجتماعي وتسوية النزاعات وتعزيز قيم التكافل والتعاون. فالقبيلة كانت، في كثير من المراحل، إحدى آليات الحماية الاجتماعية في ظل ضعف الدولة أو غيابها.

غير أن المشكلة لا تبدأ من وجود القبيلة، وإنما من تحولها إلى بديل للدولة، أو إلى أداة للمنافسة السياسية، أو وسيلة للحصول على الحقوق والموارد والامتيازات العامة. فعندما يصبح الانتماء القبلي بوابة للفرص، ويتراجع معيار المواطنة أمام معايير العصبية والانتماء الضيق، تبدأ الدولة في فقدان قدرتها على تحقيق العدالة بين مواطنيها.

إن السودان الذي يتطلع إليه السودانيون، والذي ينشده مشروع التأسيس الوطني الجديد، يجب أن يقوم على قاعدة المواطنة الكاملة والمتساوية، بحيث تكون الحقوق مصونة للجميع والواجبات ملزمة للجميع دون تمييز بسبب القبيلة أو الجهة أو اللون أو الثقافة أو أي انتماء آخر.

فالمواطن لا ينبغي أن يحصل على حقه لأنه ينتمي إلى قبيلة كبيرة أو يمتلك نفوذاً سياسياً أو اجتماعياً، وإنما لأنه مواطن كامل الحقوق بحكم الدستور والقانون. وهذه هي الفكرة الجوهرية التي قامت عليها الدولة الحديثة في مختلف أنحاء العالم.

ولا يمكن ترسيخ هذا المبدأ دون سيادة حكم القانون باعتباره المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع بلا استثناء. فالقانون العادل هو الضامن الحقيقي للحقوق والحريات، وهو الأداة التي تمنع تغول الأقوياء وتحمي الضعفاء وتكفل المساواة بين المواطنين أمام مؤسسات الدولة.

وحين يثق المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع دون محاباة أو تمييز، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالانتماءات الضيقة، وتتعزز الثقة في الدولة باعتبارها الحاضن المشترك لجميع أبنائها.

كما أن بناء الدولة الحديثة يقتضي قيام مؤسسات قوية ومستقلة وقادرة على الاستمرار بغض النظر عن تغير الحكومات والأشخاص. فالدول لا تُدار بالأفراد مهما بلغت قدراتهم، وإنما تُدار بالمؤسسات التي تعمل وفق قواعد واضحة وصلاحيات محددة ورقابة فعالة.

ولهذا فإن الحاكمية في الدولة الحديثة يجب أن تكون للمؤسسات الدستورية والقانونية، لا للأفراد ولا للجماعات ولا للقبائل. فالمؤسسة وحدها هي القادرة على ضمان الاستقرار والاستمرارية وتحقيق العدالة على أسس موضوعية.

وفي هذا السياق تبرز قضية الحواكير والأراضي التاريخية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في السودان عموماً وفي دارفور على وجه الخصوص.

ومن حق المجتمعات المحلية أن تعتز بإرثها التاريخي والثقافي المرتبط بالأرض التي عاشت عليها أجيال متعاقبة، وأن تحافظ على الذاكرة الجماعية التي تمثلها الحواكير باعتبارها جزءاً أصيلاً من تاريخها وهويتها الثقافية.

غير أن إدارة الأرض وملكية الموارد الطبيعية وتنظيم استخدامها يجب أن تظل من اختصاص الدولة ومؤسساتها المختصة وحدها، وفق قوانين عادلة تضمن حقوق الجميع وتحفظ السلم الاجتماعي وتمنع نشوب النزاعات.

فالاعتراف بالرمزية التاريخية للحواكير لا ينبغي أن يتحول إلى أساس لسلطات موازية أو امتيازات حصرية تتجاوز سلطة الدولة، لأن ذلك يهدد مبدأ المواطنة المتساوية ويُبقي أسباب الصراع كامنة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

إن الأرض مورد وطني، وإدارتها مسؤولية سيادية، بينما تبقى قيمتها التاريخية والثقافية جزءاً من التراث الاجتماعي الذي يستحق الاحترام والحماية.

ولا يعني الحديث عن الدولة المدنية الحديثة إلغاء القبائل أو محاربة التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميز السودان، بل على العكس تماماً. فالتنوع يمثل إحدى أعظم ثروات السودان ومصادر قوته الحضارية والإنسانية.

لكن المطلوب هو أن يتحول هذا التنوع إلى مصدر للوحدة والتكامل والتعايش، لا إلى أداة للصراع والتنافس والإقصاء. وأن تظل القبيلة إطاراً اجتماعياً وثقافياً مشروعاً، بينما تبقى الدولة هي المرجعية العليا التي يتساوى تحت مظلتها جميع المواطنين.

إن مستقبل السودان لن يُبنى بالانتماءات الضيقة ولا بالولاءات العابرة للوطن، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وقانون عادل، وإدارة رشيدة، ومواطنة متساوية يشعر في ظلها كل سوداني بأن حقوقه مصانة وكرامته محفوظة وفرصه متاحة أينما كان.

فالدول تبقى بالمؤسسات، وتزدهر بالعدالة، وتستقر بسيادة القانون، وتتقدم حين يصبح الانتماء للوطن أكبر من كل الانتماءات الأخرى.

أما العصبيات الضيقة، مهما بلغت قوتها، فلا تبني دولة، ولا تصنع سلاماً، ولا تؤسس لمستقبل يستحقه السودانيون.

“دعوها فإنها منتنة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!