
سمية النور دهب ،، دبلن
تكشف التحركات السياسية التي تقودها المملكة العربية السعودية في الملف السوداني عن إصرار واضح على البحث عن مخرج يعيد تقديم عبد الفتاح البرهان باعتباره شريكاً سياسياً يمكن البناء عليه في أي ترتيبات مقبلة. غير أن المشكلة التي تواجه هذه المساعي لا تتعلق بآليات التنفيذ أو بحجم الجهد الدبلوماسي المبذول، وإنما ترتبط بحقيقة أكثر جوهرية تتمثل في أن أزمة البرهان هي أزمة شرعية قبل أن تكون أزمة تحالفات أو حواضن سياسية.
فخلال السنوات الماضية تآكلت الشرعية السياسية للبرهان بصورة متسارعة، وأصبح من الصعب تسويقه داخلياً باعتباره ممثلاً لإجماع وطني أو قائداً يحظى بقبول سياسي واسع. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاجه عبر واجهات مدنية جديدة أو تحالفات مصنوعة بعناية لن تغير من هذه الحقيقة شيئاً.
وتشير تقارير سياسية متقاطعة إلى أن الرياض أجرت خلال الفترة الماضية سلسلة من الاتصالات واللقاءات مع شخصيات سياسية ومدنية من اتجاهات مختلفة، في محاولة لبناء كتلة جديدة يمكن أن تشكل حاضنة سياسية داعمة للبرهان وتوفر له قدراً من القبول الداخلي والخارجي. لكن هذه الجهود، وفقاً لمراقبين، لم تحقق النتائج المرجوة، إذ اصطدمت بعقبة أساسية تتمثل في غياب القناعة بجدوى مشروع يقوم على إحياء شرعية فقدت أسسها السياسية.
فالشرعية ليست تحالفاً يُصنع، ولا بياناً يُوقع، ولا مجموعة شخصيات تُجمع حول طاولة واحدة. الشرعية هي حالة سياسية تنشأ من القبول الشعبي ومن القدرة على تمثيل تطلعات الناس والتعبير عن مصالحهم. وعندما تتآكل هذه العناصر يصبح من الصعب على أي قوة إقليمية أو دولية أن تعيد بناء ما انهار عبر ترتيبات فوقية أو تفاهمات مغلقة.
لقد بدا واضحاً خلال الأشهر الأخيرة أن محاولات استقطاب قيادات مدنية من التحالفات المختلفة لم تسفر عن اختراق حقيقي. فالكثير من الشخصيات والقوى السياسية تدرك أن الانضمام إلى مشروع هدفه الأساسي توفير غطاء سياسي للبرهان لن يغير من واقع فقدانه للشرعية، بل قد يضعف من رصيد تلك القوى نفسها أمام الرأي العام.
كما أن الرهان على إعادة تشكيل المشهد السياسي من أعلى يتجاهل التحولات العميقة التي شهدها السودان خلال السنوات الأخيرة. فالساحة السياسية لم تعد تقبل بسهولة عمليات إعادة التدوير التي كانت ممكنة في مراحل سابقة، وأصبحت أكثر حساسية تجاه أي ترتيبات يُنظر إليها باعتبارها محاولة لفرض واقع سياسي لا يستند إلى توافق وطني حقيقي.
وإذا كانت الرياض تعتقد أن المشكلة تكمن في غياب الحاضنة السياسية للبرهان، فإن الوقائع تشير إلى أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فالحاضنة السياسية يمكن صناعتها، أما الشرعية فلا يمكن صناعتها. ويمكن جمع الحلفاء حول مشروع ما، لكن لا يمكن إجبار الرأي العام على الاعتراف بشرعية يعتقد أنها فقدت مبررات وجودها.
لهذا تبدو الجهود السعودية، مهما بلغت كثافتها، أقرب إلى محاولة معالجة النتائج بدلاً من معالجة الأسباب. فالأزمة ليست في نقص الداعمين أو ضعف التحالفات، وإنما في فقدان البرهان للشرعية السياسية التي تمثل الأساس الذي يُبنى عليه أي مشروع للحكم أو القيادة.
ومن هنا فإن كل المساعي الرامية إلى إنشاء حاضنة جديدة أو تسويق واجهة سياسية داعمة له تبدو محكومة بالوصول إلى النتيجة ذاتها: المزيد من التعثر. لأن التحالفات تستطيع أن تمنح دعماً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تمنح شرعية مفقودة، ولا أن تعيد الحياة إلى مشروع سياسي استنفد مقومات بقائه في نظر قطاع واسع من السودانيين.




