
نجم الدين دريسة
الاستقلال الحقيقي يبدأ عندما يصبح القرار الوطني ملكاً للشعب
مصر الرسمية جارة تفوق سوء الظن العريض ظلت علي مدي اكثر من قرن من الزمان تمارس فجورها وظلمها وتعديها السافر وتدخلها غير المبرر في الشأن السوداني بشكل يؤكد ان السودان لم يكن دولة مستقلة البتة ..
التعدي السافر والخطير والمجزرة البشعة التي ارتكبها طيران الجو المصري في منطقة التعدين الاصلي بالانصاري والذي ادي الي سقوط عدد من الضحايا وسط حالة من الغضب والإستنكار الشعبي العريض في ظل صمت خرافي من السلطة الانقلابية ..
الحادثة تمثل تعدي سافر علي المواثيق والاعراف الدولية وجرائم حرب وجرائم ضد الانسان حيث استهدفت الغارة الجوية المصرية مواقع لمعدنيين اهليين خلفت اعداد كبيرة من القتلي والجرحي والمفقوين وهي الغارة الاخطر علي المعدنين المدنيين في السودان .. وهو اعتداء خطير علي السيادة الوطنية التي مرغها الجيش الذي ظل مخلب قط للتدخل المصري في السودان علي مدي عقود طويلة .
المؤسف ان ليست كل الجغرافيا نعمة فبعض الجوار يكون معضلة سياسية كبيرة كما في حالة مصر التي ظلت تتعاطي مع السودان علي أسس النفوذ والهيمنة والتآمر والاستعلاء .. فمصر تبدو قريبة جدا في الخريطة ولكن تاريخها مع الشعوب السودانية مثقل بالمرارات لانها دولة ادمنت ممارسة الظلم والانتهاكات والتعاطي مع السودان كأنه حديقة خلفية .
ما بين الخرطوم والقاهرة ما صنع الحداد لم تكن في اي من الايام علاقة طبيعية بين دولتين تتقاسمان نهر النيل بل ظلت مصر تمارس الظلم والاجحاف في حق السودان ولتستأثر بأكثر من نصفه حصته من مياه رغم ان الاتفاقيات نفسها كانت جائرة وعلي جورها كانت مصر تأخذ حصتها وحصة السودان.. ظلت العلاقة بين شعوب سودانية تطمح للاستقلال الكامل وتسلط مصري مستمر في إبقاء السودان داخل دائرة. النفوذ والسيطرة والتسلط والاستثمار.
هذه المعادلة ليست جديدة حيث تشكلت عبر عقود طويلة فمصر ظلت تتحكم في الشأن السياسي السودان عبر الجيش الذي ظل بمثابة جيش مصر الرابع في السودان احكمت قبضتها بذريعة الامن القومي المصري وظفت الجيش في خدمة مصالحها .. تمكنت مصر من إحكام سيطرتها علي السودان واستطاعت ان تستغل موارد السودان كلها في خدمة الاقتصاد المصري ولرفاه الشعب المصري والشعوب السودانية كالعيس يقتلها الظمأ في البيد والماء فوق ظهورها محمول .. لم يتوقف الحد عند الموارد والمحاصيل النقدية والمعادن .. مصر اغتصبت الأراضي السودانية احتلت حلايب وشلاتين وأبو رماد وتمددت الالاف الكيومترات في الأراضي السودانية ..
القاهرة تدخلت في الشأن السياسي ولعبت ادوارا غيرت مجري تاريخ الدولة السودانية في توازنات السلطة وأدخلت جيشها الرابع الذي اطلق عليه جزافا القوات المسلحة السودانية وصارت تدعم الانظمة الانقلابية والدكتاتورية وتقف ضد الثورات والهبات الشعبية والأنظمة المدنية .. وبالتالي ظل الجيش متحكما في السياسة والاقتصاد وكلها ترتيبات قامت بها مصر لخدمة رؤيتها الاستراتيجية في استعمار السودان عبر وكلاء مصر من المتآمرين والخونة قيادة القوات المسلحة.
واليوم ومع التحولات العميقة التي يشهدها السودان يعود النقاش اكثر جدية لاستعادة سيادة السودان ووضع حد للصلف المصري .. وبالتالي لن تجدي بعد اليوم بكائيات اماني الطويل ودعوتها للتدخل الأمريكي قبل ان تسيطر قوات تحالف السودان التأسيسي علي مدينة الأبيض لانها تعلم علم اليقين ان تحرير الأبيض سيكون الحد الفاصل بين تاريخين .. تاريخ الاستعمار المصري القائم علي التدخل السافر الشأن السوداني والاستئثار بمواده وثرواته والتحكم بقراره السياسي وانتهاك سيادته .. وتاريخ جديد يقوم علي تأسيس دولة سودانية علي أسس جديدة تقوم علي الاستقلال والسيادة والندية والتوازن .
فمصر الان امام اختبار تاريخي لان التغيرات التي طرأت علي السودان كثيرة وان القوة القادمة لتحرير السودان من العبث المصري خاضت ثورتها من أجل الانعتاق والحرية ولن تقبل ان تدار شؤونها من خارج حدودها فالجغرافيا قد تفرض علينا ان نبقي جارين الي الابد ولكن السياسة هي ستحدد كيف سيكون الجوار هل سيكون فرصة للتعاون والتكامل .. أم عبئا دائما علي استقرار شعوبنا .. هل تعيد القاهرة النظر في طبيعة العلاقة وترعوي وتنسحب من الأراضي السودانية أم ستظل أسيرة لماضيها البغيض.




