
عدنان إبراهيم عيسى
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تكتفِ قوى الإرهاب السياسي وأذرعها الإعلامية بإشعال نار الصراع وتغذية الانقسام، بل جعلت من التضليل الممنهج سلاحاً موازياً للمعركة العسكرية. فكل خطوة نحو الاستقرار جرى استهدافها بالشائعات، وكل إنجاز تحقق على الأرض قوبل بحملات منظمة هدفت إلى التشكيك فيه وتقويض أثره في وجدان الشعب السوداني.
وعندما أُعلن عن التحالف التأسيسي الجديد الذي ضم طيفاً واسعاً من القوى السياسية والاجتماعية والمدنية والمجتمعية، سارعت أبواق الدعاية إلى وصفه بأنه كيان بلا مستقبل، وأنه محاولة أخيرة لقوى فقدت القدرة على التأثير. لكن الأيام أثبتت أن التحالف لم يكن حدثاً عابراً، بل تعبيراً عن إرادة وطنية متنامية تسعى إلى بناء مشروع جديد للدولة السودانية يقوم على العدالة والمواطنة والمشاركة المتوازنة.
وعندما ظهر الفريق أول محمد حمدان دقلو أمام جماهيره وشعبه، بعد أشهر طويلة من الشائعات التي روجت لغيابه أو مقتله، لجأت ذات الجهات إلى ادعاءات أكثر غرابة، فزعمت أن ظهوره لم يكن حقيقياً، وأنه مجرد صورة أو مشهد صُنع بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وحين أُعلنت حكومة الوحدة والسلام الانتقالية، قيل إنها حكومة افتراضية لا وجود لها إلا على صفحات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
غير أن الحقائق كانت أقوى من كل محاولات التزييف، لأن الوقائع على الأرض لا يمكن إنكارها، ولأن الشعوب تقيس صدقية الحكومات بما تنجزه لا بما يُقال عنها.
ولعل أبرز الشواهد على ذلك ما تحقق مؤخراً في ملف التعليم، حيث نجحت الحكومة في استعادة واحد من أهم الحقوق الأساسية للمواطنين، وهو الحق في التعليم. فقد شكل انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في المناطق التي حُرمت منها لسنوات طويلة حدثاً تاريخياً يحمل أبعاداً تتجاوز العملية التعليمية نفسها، ليصبح رمزاً لانتصار الإرادة على الحرمان، والأمل على اليأس، والحق على الإقصاء.
لقد أثبت أبناء وبنات الهامش السوداني أنهم قادرون على كسر القيود التي فرضتها عقود من التهميش والحرمان، وأنهم يملكون من العزيمة ما يجعلهم قادرين على صناعة مستقبلهم بأيديهم. كما أكدوا أن التعليم سيظل أحد أهم أدوات التحرر والبناء والتنمية، وأن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لا يمكن أن تُهزم مهما اشتدت المحن.
إن ما تحقق اليوم ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها النهوض والبناء والتأسيس لدولة حديثة تستوعب جميع أبنائها دون تمييز، وتقوم على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. وهي مرحلة تتطلب المزيد من العمل والصبر والتكاتف الوطني، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن السودان يمتلك القدرة على تجاوز أزماته والانطلاق نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
فالأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة، والإرادة السودانية أثبتت مرة أخرى أنها عصية على الانكسار. :::




