
مهند بكار
شمال الوادي تنزف… وليس النزيف في الأرض وحدها، بل في الضمير الإنساني الذي يقف عاجزاً أمام صور الضحايا، وصمت السياسة، وضجيج المصالح المتشابكة التي كثيراً ما تطغى على صوت الحقيقة. فكل قطرة دم تُراق ظلماً تترك جرحاً عميقاً في وجدان الشعوب، وتطرح أسئلة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها.
في كل مرة يسقط فيها مدنيون أبرياء، يسقط معها جزء من الثقة في العدالة الدولية، ويتسع الشرخ بين الشعوب والمؤسسات التي يفترض أن تحمي حقوق الإنسان وتصون كرامته. وما يُتداول بشأن استهداف المعدنين في منطقة شمال الوادي يفرض ضرورة البحث الجاد عن الحقيقة، بعيداً عن التبريرات السياسية أو الروايات المتناقضة التي تزيد المشهد غموضاً وتعقيداً.
إن حياة الإنسان ليست رقماً في بيان، ولا خبراً عابراً في نشرات الأخبار. خلف كل ضحية أسرة مكلومة، وأطفال ينتظرون عودة آبائهم، وأحلام انقطعت فجأة تحت وطأة العنف. ولهذا فإن الكشف عن الحقائق الكاملة ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل واجب أخلاقي وإنساني تجاه الضحايا وذويهم.
إذا كانت دماء الأبرياء قد أُريقت بالفعل، فإن أقل ما يستحقونه هو تحقيق شفاف ومستقل يكشف ملابسات ما جرى ويحدد المسؤوليات بصورة واضحة. فالعدالة لا تتحقق بالإنكار أو الصمت، وإنما بالمحاسبة والشفافية واحترام حق الضحايا في معرفة الحقيقة. ولا ينبغي أن يكون أي طرف، أياً كانت مكانته أو نفوذه، بمنأى عن المساءلة إذا ثبت تورطه في انتهاك حقوق المدنيين.
كما أن الحكومة المصرية مطالبة بتقديم توضيحات شفافة حول ما أُثير من اتهامات، لأن الغموض يفتح الباب أمام الشائعات ويغذي حالة الاحتقان والغضب. وفي المقابل، فإن صمت السلطات في بورتسودان أو عجزها عن اتخاذ موقف واضح وحاسم لا يسهم في تبديد الشكوك، بل يزيد من حدة التساؤلات ويضاعف آلام المتضررين.
الأوطان لا تُبنى على إخفاء الحقائق، ولا تُحمى بالتجاهل أو التبرير. فالسيادة الحقيقية تبدأ من حماية المواطنين وصون أرواحهم، والكرامة الوطنية تُقاس بمدى احترام الدولة لحق الإنسان في الحياة والأمن والعدالة.
سيأتي يوم تُفتح فيه الملفات المغلقة، وتُروى الشهادات الكاملة، وتظهر الحقائق مهما طال الزمن. وعندها لن يكون السؤال من كان الأقوى أو الأكثر نفوذاً، بل من وقف إلى جانب العدالة والإنصاف، ومن اختار الصمت في لحظة كان فيها الواجب الأخلاقي يقتضي قول الحقيقة.
شمال الوادي تنزف… ولن يتوقف هذا النزيف إلا عندما تنتصر الحقيقة على الخوف، والعدالة على المصالح، وكرامة الإنسان على حسابات السياسة الضيقة.




