
د. إخلاص قرنق
عند تناول تجربة الحركة الإسلامية في السودان، ينصرف كثير من النقاش إلى أخطاء القيادات أو الصراعات الداخلية أو مظاهر الفساد والاستبداد التي ارتبطت بسنوات الحكم الطويلة. غير أن القراءة النقدية الأعمق تطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل كانت الأزمة مرتبطة بالأشخاص فقط، أم أن هناك إشكالات بنيوية داخل المشروع نفسه جعلت نتائجه تقود إلى ما انتهت إليه البلاد، حتى لو تبدلت القيادات وتغيرت الوجوه؟
هذا السؤال لا يهدف إلى محاكمة الماضي بقدر ما يسعى إلى فهمه. فالتجارب السياسية الكبرى لا تُقاس فقط بشعاراتها أو نواياها المعلنة، وإنما بقدرتها على بناء دولة مستقرة ومؤسسات قوية ومجتمع متماسك. ومن هذه الزاوية تبدو تجربة الحركة الإسلامية واحدة من أكثر التجارب إثارة للأسئلة في التاريخ السياسي السوداني الحديث.
لقد قامت الحركة الإسلامية على تصور يمنحها موقعاً يتجاوز حدود الحزب السياسي التقليدي، إذ قدمت نفسها بوصفها صاحبة المشروع الصحيح والرؤية الأصدق لإدارة الدولة والمجتمع. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن أي مشروع يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة يواجه صعوبة في الاعتراف بشرعية الاختلاف. وعندما يتحول الاختلاف السياسي إلى خلاف حول الحق والباطل، يصبح الخصم خصماً وجودياً لا منافساً وطنياً، وتضيق مساحة الحوار لصالح الإقصاء والاستقطاب.
وفي سياق الحكم، برزت مشكلة أخرى تمثلت في التداخل بين الدولة والتنظيم السياسي. فالدولة الحديثة تقوم على الحياد المؤسسي وعلى خدمة جميع المواطنين دون تمييز، لكن التجربة أظهرت في كثير من الأحيان ميلاً لربط مؤسسات الدولة بالمشروع الحزبي، الأمر الذي أضعف استقلاليتها وأفقدها قدرتها على أداء دورها الوطني الجامع. ومع مرور الوقت أصبح الولاء السياسي عاملاً مؤثراً في كثير من مواقع الإدارة العامة، وهو ما ألقى بظلاله على كفاءة المؤسسات وفاعليتها.
كما أن سياسة التمكين التي اعتمدت بوصفها أداة لحماية المشروع وترسيخ وجوده داخل أجهزة الدولة حملت في داخلها بذور أزمة طويلة المدى. فعندما يصبح الانتماء معياراً يتقدم على الكفاءة، تبدأ المؤسسات في فقدان قدرتها على التجدد والتطور. وقد تبدو الدولة قوية من الخارج، لكنها في الحقيقة تكون قد دخلت مرحلة من التآكل البطيء الذي تظهر نتائجه لاحقاً عند أول اختبار حقيقي.
ومن بين الآثار الأكثر خطورة في التجربة السودانية اتساع دور الأدوات الأمنية والعسكرية في إدارة الشأن السياسي. فكلما تراجعت الحلول السياسية وتقلصت مساحات التوافق الوطني، ازدادت الحاجة إلى القوة بوصفها وسيلة للحسم. ومع مرور الزمن تحولت هذه المعادلة إلى أحد العوامل التي ساهمت في تعقيد الأزمة السودانية، حيث أصبح السلاح جزءاً من التنافس السياسي بدلاً من أن يكون وسيلة لحماية الدولة ومؤسساتها.
كذلك أسهمت حالة الاستقطاب الحاد في تعميق الانقسامات داخل المجتمع السوداني. فقد اتسعت الفجوة بين التيارات السياسية المختلفة، وتزايد الشعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وتراجعت فرص بناء مشروع وطني جامع يستوعب التنوع السوداني ويمنحه التعبير العادل داخل مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا انتهت التجربة إلى ما انتهت إليه رغم امتدادها لثلاثة عقود كاملة؟ فثلاثون عاماً كانت كافية، نظرياً، لبناء نموذج ناجح ومستقر لو كانت المشكلة مرتبطة فقط بضيق الوقت أو نقص الموارد. لكن الحصيلة النهائية تمثلت في استمرار النزاعات المسلحة، وانفصال الجنوب، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وتراجع الثقة بين مكونات المجتمع، وانهيار أجزاء واسعة من بنية الدولة. وهذا ما يدفع كثيراً من الباحثين إلى الاعتقاد بأن الأزمة لم تكن أزمة إدارة فحسب، بل كانت أيضاً أزمة في طبيعة المشروع السياسي نفسه وفي الفلسفة التي حكمت علاقته بالدولة والمجتمع.
ورغم سقوط نظام الإنقاذ في عام 2019، فإن آثار تلك المرحلة ما تزال حاضرة بقوة في الواقع السوداني. فشبكات المصالح، والاستقطاب السياسي، وضعف المؤسسات، وعسكرة المجال العام، وتآكل الثقة بين القوى الوطنية، كلها ظواهر تجاوزت عمر النظام نفسه وأصبحت جزءاً من التحديات التي تواجه أي مشروع لإعادة بناء الدولة.
ومن هنا يمكن القول إن الخطأ الأكبر لم يكن فقط في ممارسات السلطة أو في أخطاء الأفراد، بل في الاعتقاد بإمكانية إعادة تشكيل المجتمع والدولة من أعلى عبر السيطرة على السلطة وأجهزتها. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الدول المستقرة لا تُبنى بالهيمنة الحزبية، مهما كانت شعاراتها أو مرجعياتها الفكرية، وإنما تُبنى بالتوافق الوطني، والمؤسسات المستقلة، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية. ولذلك يرى كثير من النقاد أن تجربة الحركة الإسلامية في السودان تحولت، بمرور الزمن، من مشروع رفع شعارات الإصلاح والتغيير إلى أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في تعميق أزمة الدولة السودانية الحديثة وإنتاج كثير من تعقيداتها الراهنة.




