التعليم في السودان: عندما تغيب الدولة وتحضر الضمائر
بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن بريتوريا، جنوب أفريقيا

بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن بريتوريا، جنوب أفريقيا
في بلد يعيش حربًا شاملة وانهيارًا مؤسسيًا ممتدًا، يغدو التعليم آخر ما يُفكَّر فيه رسميًا، وأول ما يدفع الثمن عمليًا. وتأتي استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، البروفيسور علي رباح، لتكشف لا عن أزمة شخص أو مؤسسة بعينها، بل عن واقع تعليمي سوداني مهدد في جذوره، وعن دولة تراجعت عن مسؤولياتها حتى باتت القيم والأمانة مجهودًا فرديًا يقاوم منظومة كاملة من الفساد والإستبداد.
في خطاب استقالته، أوضح البروفيسور علي رباح أنه تعرض لضغوط مباشرة من جهات نافذة لم يسمِّها، للسكوت عن وصول طرف غير مشروع إلى سجل الجامعة، والتراجع عن مشروع الشهادات الإلكترونية، والتغاضي عن محاولات تزوير الشهادات الأكاديمية. هذه ليست تفاصيل إدارية عابرة؛ بل محاولة منظمة لضرب جوهر جامعة الخرطوم في كرامتها العلمية، وموثوقية سجلاتها، وعدالة فرص طلابها.
هذه الواقعة ليست دعوة لليأس؛ بل دعوة للانتباه. فالرجل لم يغادر هروبًا، بل غادر واقفًا ليقول:
لا للتزوير، لا لقتل العدالة، ولا لذبح ضمير التعليم.
قالها بوضوح: اللحظة التي يُطلب فيها من الإنسان أن يساوم على القيم أو يشارك بالصمت في الجرم، هي لحظة اختبار حقيقي للضمير. وحماية السجل الأكاديمي، كما أكد، ليست شأنًا إداريًا فحسب، بل قضية أمن قومي. فحين يصل العبث إلى الشهادات تضطرب الثقة في كل خريج، ويُلطخ اسم جامعة الخرطوم، وتُفتح أبواب المستقبل أمام المزورين بدل المستحقين.
قضية استقالة البروفيسور علي رباح ليست صراع نفوذ ولا إجراءً إداريًا، بل مرآة لأزمة أعمق؛ أزمة قيم تراجعت فيها هيبة القانون، ودولة تخلت عن دورها الرقابي والحامي. وعلى الدولة، حين تعود إلى وعيها ومسؤوليتها، أن تدرك أن التعليم ليس قطاعًا خدميًا عاديًا، بل بنية أمنية واقتصادية وأخلاقية، وحمايته جزء أصيل من حماية الوطن.
تظل الجامعات السودانية، وفي مقدمتها جامعة الخرطوم “الجميلة والمستحيلة”، خط الدفاع الأخير عن هوية الوطن وسمعته العلمية. فإذا سقط هذا الخط، لن يسقط التعليم وحده؛ بل ستنهار فرص أجيال كاملة وتضيع ثقة العالم في الشهادات الجامعية السودانية.
وفي ظل غياب الدولة، تبقى الضمائر الفردية، مثل ضمير البروفيسور علي رباح، آخر خطوط الدفاع. ولهذا فاستقالته ليست مجرد مغادرة لمنصب، بل صرخة وطنية تقول:
إذا لم تعد الدولة لتحمي التعليم… فلن يبقى وطن يستحق أن نحميه.
ومع ذلك، يبقى “الصمود المؤسسي” في مثل هذه الظروف عملاً بطوليًا يستحق التقدير والإحترام.




