رأي

دولة 56 الكابوس الذي ابتلع السودان : من الاستقلال إلي الانهيار!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

الدولة ليست حدوداً وجيوشاً بل عدالة وكرامة وإنساناً حراً.

   لم تكن أزمة السودان في يوم من الأيام أزمة موارد أو جغرافيا أو قدرات بشرية، بل كانت في جوهرها أزمة دولة وأزمة هوية وأزمة مشروع وطني. فمنذ اللحظة التي رُفع فيها علم الاستقلال في الأول من يناير 1956، دخل السودان مرحلة جديدة ظاهرياً، لكنه في العمق ظل أسيراً للبنية ذاتها التي ورثها عن الإدارة الاستعمارية، مع استبدال النخبة الأجنبية بنخبة محلية احتكرت السلطة والثروة والقرار السياسي.

لقد وُلد ما عُرف بدولة 56 وهي تحمل في أحشائها بذور أزمتها التاريخية. فبدلاً من أن يكون الاستقلال مناسبة لتأسيس عقد اجتماعي جديد يشارك فيه الجميع على قدم المساواة، تحولت الدولة الوطنية الناشئة إلى مشروع احتكار سياسي وثقافي واجتماعي مارسته مجموعات محدودة رأت نفسها ممثلاً حصرياً للسودان، بينما نظرت إلى بقية الشعوب السودانية باعتبارها أطرافاً تابعة أو هامشاً ينبغي إخضاعه وإدارته من المركز.

ومن هنا بدأت المعضلة الكبرى التي ما زالت تلاحق السودان حتى اليوم: غياب الهوية الوطنية الجامعة.

لم تنجح دولة ما بعد الاستقلال في الإجابة عن السؤال الأساسي: من نحن؟ وما هي الشخصية السودانية الجامعة التي تتجاوز القبيلة والجهة والإثنية والدين والثقافة؟ ولهذا ظلت الدولة عاجزة عن إنتاج جهاز مفاهيمي حديث يقوم على المواطنة المتساوية والحقوق الدستورية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة واحترام التنوع.

لقد تأسست الدولة السودانية الحديثة على مفهوم السلطة أكثر من تأسيسها على مفهوم الوطن. وكان هم النخب الحاكمة السيطرة على المركز والحفاظ على امتيازاته، بينما غابت الرؤية الاستراتيجية لبناء أمة سودانية موحدة في إطار التنوع الواسع الذي يميز البلاد.

ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول السودان إلى واحد من أكثر البلدان تعرضاً للحروب الأهلية في القارة الإفريقية. فالحروب التي اندلعت في الجنوب ثم امتدت إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها لم تكن حوادث منفصلة، وإنما كانت تعبيراً عن أزمة بنيوية عميقة في طبيعة الدولة نفسها.

لقد فشلت دولة 56 في إدارة التنوع، وفشلت في تحقيق العدالة بين الأقاليم، وفشلت في توزيع السلطة والثروة بصورة متوازنة، وفشلت في الاعتراف الكامل بالتعدد الثقافي والإثني الذي يشكل جوهر الشخصية السودانية.

وإذا كان علماء السياسة يعرفون الدولة الفاشلة بأنها الدولة العاجزة عن أداء وظائفها الأساسية في الأمن والخدمات وسيادة القانون وتحقيق الاستقرار وصناعة التوافق الوطني، فإن التجربة السودانية تقدم نموذجاً صارخاً لهذه الحالة.

فعلى امتداد سبعة عقود تقريباً، تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية دون أن تنجح في بناء دستور دائم متفق عليه. وظلت البلاد تنتقل من انقلاب إلى انتفاضة، ومن حرب إلى هدنة، ومن أزمة إلى أزمة أكبر منها، حتى أصبح عدم الاستقرار هو القاعدة والاستقرار هو الاستثناء.

ولم يكن هذا الفشل عارضاً أو نتيجة أخطاء أفراد فقط، بل كان نتيجة مباشرة لطبيعة الدولة نفسها. فالدولة التي ورثت المركزية الاستعمارية وحافظت عليها، والدولة التي احتكرت القرار السياسي داخل دوائر ضيقة، والدولة التي تعاملت مع أطرافها باعتبارها مناطق نفوذ وليست شركاء متساوين، لا يمكن أن تنتج سوى الأزمات المتكررة.

لقد تحولت المركزية إلى عقيدة سياسية. وتحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية الامتيازات التاريخية. وتحول القانون في كثير من الأحيان إلى وسيلة للهيمنة بدلاً من أن يكون أداة لتحقيق العدالة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شهد السودان واحداً من أخطر أشكال الفساد السياسي في العالم النامي، وهو الفساد المؤسسي. فالمشكلة لم تكن في فساد أفراد هنا أو هناك، وإنما في تحول الفساد إلى جزء من آلية عمل الدولة نفسها.

ومع مرور الوقت ترسخت أنماط الاستعلاء الاجتماعي والعنصري والثقافي، وازداد الشعور بالاغتراب لدى قطاعات واسعة من الشعوب السودانية التي رأت نفسها خارج معادلة السلطة والثروة والتمثيل السياسي.

ومن هنا يمكن فهم أسباب تراكم الغضب التاريخي في مناطق الهامش السوداني. فالمسألة لم تكن مجرد مطالب تنموية أو خدمية، بل كانت مطالب تتعلق بالكرامة الإنسانية والاعتراف السياسي والوجود المتساوي داخل الوطن.

لقد أصبح السودان بلداً غنياً بموارده وفقيراً في إدارته. يمتلك أراضي زراعية شاسعة ومياهاً وثروات معدنية وموقعاً جيوسياسياً استثنائياً، لكنه ظل عاجزاً عن تحويل هذه المقومات إلى مشروع نهضة وطنية حقيقية.

والسبب واضح: لا يمكن تحقيق التنمية في ظل دولة عاجزة عن تحقيق العدالة. ولا يمكن بناء اقتصاد مستقر في ظل حروب دائمة. ولا يمكن ترسيخ الديمقراطية في ظل احتكار السلطة. ولا يمكن صناعة السلام في ظل إنكار جذور الأزمة.

إن أخطر ما أنتجته دولة 56 ليس الفقر ولا التخلف التنموي فحسب، وإنما إنتاج دورة مستمرة من العنف السياسي. فكل جيل ورث أزمات الجيل الذي سبقه، وكل سلطة أعادت إنتاج أسباب الفشل التي أسقطت السلطة السابقة.

ولهذا أصبح الموت صناعة يومية، وتحولت الفتنة إلى أداة سياسية، وصار التناحر وسيلة لإدامة النفوذ، بينما تراجعت قيمة الإنسان السوداني أمام حسابات السلطة والصراع على الموارد.

وهنا يبرز السؤال الكبير: لماذا يصر البعض على الدفاع عن هذه الدولة بصورتها الراهنة؟

هل لأنهم يؤمنون فعلاً بأنها تمثل الوطن؟ أم لأن استمرارها يضمن بقاء الامتيازات التي راكمتها نخب محددة طوال عقود؟

الحقيقة أن الدفاع عن دولة فشلت في تحقيق الحد الأدنى من تطلعات شعبها لا يمكن أن يكون دفاعاً عن الوطن بقدر ما هو دفاع عن مصالح مرتبطة ببقاء الوضع القديم.

فالوطن ليس حدوداً جغرافية فقط، بل منظومة قيم ومؤسسات وعدالة ومواطنة. والوطن الحقيقي هو الذي يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات والفرص.

إن السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فإما الاستمرار في إعادة تدوير الأزمة نفسها تحت شعارات مختلفة، وإما الشروع في عملية تأسيس جديدة تعيد بناء الدولة على أسس حديثة.

وهذه العملية لا تبدأ بتغيير الحكومات فقط، بل تبدأ بإعادة تعريف الدولة نفسها. دولة تقوم على المواطنة لا الامتيازات. وعلى العدالة لا الهيمنة. وعلى الفيدرالية الحقيقية لا المركزية الخانقة. وعلى الاعتراف بالتنوع لا إنكاره. وعلى المؤسسات لا الأفراد.

إن المطلوب ليس إصلاح دولة 56 بقدر ما هو تجاوز نموذجها التاريخي بالكامل نحو دولة جديدة تعبر عن جميع السودانيين دون استثناء.

دولة تستمد شرعيتها من إرادة الشعب لا من ميراث النخب. دولة تجعل الإنسان السوداني غايتها الأولى وهدفها النهائي. دولة ترى في التنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع. دولة قادرة على أن تتحول من بؤرة للأزمات إلى نموذج للاستقرار والتنمية في إفريقيا والمنطقة.

لقد أثبتت سبعة عقود من التجربة أن الأزمة ليست في الشعوب السودانية، بل في طبيعة الدولة التي حكمتها. ولذلك فإن معركة المستقبل ليست مجرد صراع على السلطة، وإنما صراع من أجل إعادة تأسيس الوطن نفسه.

   وحين يتحقق ذلك، لن يكون السودان مجرد دولة نجت من الفشل، بل وطناً جديداً يولد من رحم المعاناة الطويلة، ويستعيد مكانته الطبيعية بين الأمم بوصفه مشروعاً للعدالة والسلام والكرامة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!