رأي

حكاية وطنٍ إنتصر بالتعليم

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم تكن الدموع التي إنهمرت من عيون الطالبات والطلاب مع نهاية آخر جلسة من جلسات إمتحانات الشهادة السودانية مجرد إنفعال عادي أو ردة فعل طبيعية على إنتهاء مرحلة دراسية مهمة؛ بل كانت لغةً أخرى للقلب، لغةً لا تحتاج إلى ترجمان، تحمل بين قطراتها حكايات الخوف والصبر والأمل والإنتصار.

في ذلك المشهد المؤثر الذي إحتضنته مدارس مناطق حكومة السلام، كانت الأجراس الأخيرة تعلن إنتهاء الإمتحانات، لكنها في الوقت ذاته كانت تدق في أعماق النفوس معلنة نهاية رحلة شاقة من المعاناة،رحلة لم تبدأ مع أول ورقة إمتحان، بل بدأت منذ لحظة إندلاع الحرب، ومنذ أن إضطر آلاف الطلاب إلى مغادرة منازلهم ومدارسهم، حاملين أحلامهم الصغيرة فوق أكتاف أنهكتها الظروف القاسية.

كانت وجوه الأمهات في الأيام الأولى للإمتحانات تروي قصة أخرى؛ وجوه أرهقها الإنتظار، وقلوب أنهكتها الدعوات، وعيون لم تعرف النوم وهي تراقب أبناءها يعبرون طريقاً مليئاً بالتحديات، لم يكن أحد يعلم على وجه اليقين كيف ستنتهي هذه الرحلة، لكن الجميع كان يتمسك بخيط رفيع من الأمل، مؤمناً بأن التعليم يظل آخر القلاع التي لا يجوز أن تسقط.

في محلية برام، كما في غيرها من مدن وقرى السودان، وقفت تلك الطالبة تبكي بعد خروجها من آخر إمتحان،

لم تكن تبكي لأن الأسئلة كانت صعبة، ولا لأن الطريق كان طويلاً، بل لأنها كانت تحمل فوق صدرها شهوراً طويلة من القلق والخوف والترحال،كانت دموعها تختصر حكاية جيل كامل عاش سنواته الدراسية وسط أصوات المدافع وصفارات الإنذار وأخبار النزوح والفقد.

يا لها من دموع مختلفة!كانت في البداية خوفاً من المجهول، أما دموع النهاية فكانت فرحة بالنجاة.

دموع البداية كانت رهبة من إمتحان الحياة قبل إمتحان الدراسة، أما دموع الختام فكانت إعلاناً صامتاً بأن الإرادة الإنسانية أقوى من الحرب، وأن الطالب السوداني ما زال قادراً على التشبث بحلمه رغم كل ما يحيط به من عواصف.

لقد أثبت هؤلاء الأبناء والبنات أن التعليم ليس مجرد مقاعد دراسية وكتب وإمتحانات، بل هو فعل مقاومة حقيقي في وجه الجهل والخراب واليأس،وأثبتت الأسر السودانية أنها قادرة على صناعة الأمل حتى في أحلك الظروف، عندما جعلت من الدعاء زاداً، ومن الصبر طريقاً، ومن الإيمان بالمستقبل سلاحاً لا ينكسر.

مع إسدال الستار على إمتحانات الشهادة السودانية لعام 2026م، لا ينبغي أن تكون الفرحة نهاية الحكاية، بل بدايتها،فهؤلاء الذين إنتصروا على الخوف يستحقون أن يجدوا أبواب الجامعات مفتوحة أمامهم، وأن تتوفر لهم فرص التعليم والتأهيل والمنح التي تحفظ أحلامهم من الضياع.

• الصورة التي التقطتها الدموع في ساحات المدارس ستبقى واحدة من أصدق صور هذه المرحلة؛ صورة تقول للأجيال القادمة إن شعباً يواصل تعليم أبنائه وسط المحن لا يمكن أن يُهزم، وإن وطناً ما زالت أمهاته يبكين فرحاً بنجاح أبنائهن هو وطن يمتلك كل أسباب النهوض.

انتهت الإمتحانات اليوم، وسكتت الأجراس، وغادرت الأوراق قاعات الدراسة، لكن شيئاً واحداً سيبقى عالقاً في الذاكرة: تلك الدموع النقية التي سالت على الخدود، شاهدةً على أن الأمل إنتصر، وأن السودان ما زال قادراً على إنجاب جيل يكتب مستقبله بالحبر بعد أن حاولت الحرب أن تكتبه بالنار.

ولنا عودة بأذن الله

الخميس،١٨يونيو/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!