تجفيف موارد الشعب لتغذية آلة الحرب: استهداف المعدنين وإشعال الفتن.. مخطط ممنهج لتجنيد اليائسين
عَلِي جَادِ الله

عَلِي جَادِ الله
في مشهد يكشف عن استراتيجية ممنهجة تتجاوز حدود المعارك العسكرية التقليدية، تتشابك ثلاثة مسارات متوازية تستهدف في جوهرها تجريد المواطن السوداني من مصادر رزقه وتحويله إلى وقود بشري لاستمرار الحرب: ضرب التعدين الأهلي في شمال الوادي، وإشعال فتيل النزاع القبلي في منطقة الرتج بين الرشايدة والبشاريين، وحملات ترحيل السودانيين القسري من ليبيا.
وما يجمع هذه المسارات الثلاثة خيطٌ واحد لا يخطئه المراقب المدقق؛ تجفيف كل منفذ للعيش المستقل بما يُهيئ البيئة للاستنفار والتجنيد القسري والطوعي على حدٍّ سواء.
أولاً: شمال الوادي.. ضرب الذهب قبل ضرب الرجال
لم تكن عمليات استهداف المعدنين في منطقة شمال الوادي حوادث عشوائية أو نتاجاً عرضياً للاشتباكات، بل تندرج ضمن منطق تدميري متعمد يستهدف القطاع الأكثر توفيراً للاستقلالية الاقتصادية للسكان. فالتعدين الأهلي في تلك المناطق لم يكن مجرد مهنة، بل كان شبكة أمان اجتماعية بأكملها؛ يُغذّي الأسر ويُموّل المتاجر الصغيرة ويُتيح للشاب الخيار بين البقاء في قريته أو الانزلاق نحو أي عرض يأتيه حاملاً السلاح.
حين يُطرد المعدن من موقعه أو يُقتل، أو حين تُصادر معداته وتُحرق مخيماته، لا يفقد دخله فحسب، بل يفقد هويته الإنتاجية ويجد نفسه في فراغ قسري هو الأرض الأخصب لمجنّدي الميليشيات. إن تحويل المنتج الاقتصادي الحر إلى عاطل محاصر بخيارات البقاء، هو جوهر هندسة الجوع التي تسبق عمليات الحشد والتحشيد؛ فالهدف هنا ليس الذهب بذاته كأداة تمويل للميليشيات فحسب، بل نزع “سلاح الكفاف” من يد المواطن العادي حتى لا يبقى أمامه سوى بندقية يقتات من ورائها.
ثانياً: الرتج.. اصطناع الفتنة لتفريغ المنطقة من حاضنتها
منطقة الرتج بما تحمله من نسيج اجتماعي متعدد، تمثل نموذجاً لمناطق التعايش القبلي الهش الذي يحتاج لأدنى شرارة لينفجر. واختيار إثارة الفتنة بين الرشايدة والبشاريين تحديداً ليس بريئاً؛ فكلا المجموعتين تاريخياً على صلة بمسالك التعدين والتجارة العابرة للحدود وطرق الرعي المشتركة.
الفتنة المُصطنعة تُنجز في وقت واحد ما يعجز عنه الحشد العسكري المباشر:
تإن شتيت الحاضنة الاجتماعية التي تحمي المعدنين والمزارعين وتوفر لهم شبكة حماية قبلية وأهلية في وجه المجموعات المنفلتة، وخلق جيوش صغيرة من الثأريين؛ يصبح معها الانخراط في التشكيلات المسلحة مدفوعاً بعاطفة الدفاع عن الوجود والقبيلة، وهو ما يسهل على أطراف الصراع استقطابهم وتحويل “الثأر القبلي” إلى وقود لحرب عامة.
والهدف هوتفريغ الأرض من سكانها لإعادة رسم خريطة السيطرة والنفوذ وتأمين خطوط الإمداد العسكرية بتهجير كل صوت مدني يمكن أن يقف حائلاً دون عسكرة الأرض بشكل كامل.
ثالثاً، ترحيل السودانيين من ليبيا يعتبر إغلاق آخر المنافذ؛ كانت ليبيا تمثل لعشرات الآلاف من السودانيين — ولا سيما أبناء مناطق دارفور وكردفان وشمال السودان — صمام الأمان الأخير؛ ملاذاً للعمل وإرسال الحوالات ودعم الأسر في الوطن. ترحيل هؤلاء قسراً وإعادتهم إلى بلاد تشتعل بالحرب بلا موارد ولا مأوى ولا أفق، هو في حقيقته ضخٌّ مقصود لليائسين في بيئة الاستقطاب المسلح.
إن الآلاف الذين تقطعت بهم السبل في مراكز الاحتجاز وتم ترحيلهم عبر الحدود الصحراوية لم يعودوا إلى بيئة مستقرة؛ بل عادوا إلى ساحة معركة مفتوحة. الرجل الذي عاد من ليبيا بلا مدخرات إلى بيت ربما هُدِّم وأسرة ربما شُرِّدت، لا يحتاج إلى إقناع طويل حين يُعرض عليه السلاح مقابل الطعام أو الحماية لعائلته. هذه الكتلة البشرية العائدة تمثل، في حسابات تجار الحروب، “مخزوناً استراتيجياً” من الرجال الذين سُدت في وجوههم كافة سبل الهجرة أو كسب العيش الشريف.
بناء اقتصاد الحرب يصنع جنوده بنفسه
ما تكشفه هذه المسارات الثلاثة مجتمعةً هو أن الحرب في السودان لم تعد تكتفي بالانتصار الميداني، بل باتت تُدار بمنطق دارة السكان واستنزاف خياراتهم.
حين تُغلق أمام الشاب السوداني أبواب التعدين في الشمال، والعمل في الخارج عبر البوابة الليبية، والأمان والتعايش القبلي في مناطق مثل الرتج في آنٍ واحد، لا يبقى أمامه من الخيارات ما يكفي لأن يظل مدنياً.
إن هندسة الواقع اليوم في السودان تسير نحو إلغاء “الحياة المدنية” بالكامل. فإذا لم تكن محارباً، فلن تجد ما تأكله؛ وإذا لم تنتمِ لتشكيل عسكري، فلن تجد من يحمي عِرضك أو يمنع نهب بيتك. هذا الجدار المسدود الذي يُبنى أمام المواطن بشكل ممنهج هو الآلية الحقيقية لإنتاج المقاتلين وتأمين استمرارية الصراع لسنوات طويلة.
هذه ليست أضراراً جانبية للحرب. هذه الحرب ذاتها بوجهها الأكثر برودةً وحسابًا، حيث يُستبدل الاقتصاد الإنتاجي باقتصاد البندقية، ويتحول المواطن من عامل ومزارع ومعدن يسهم في إعمار بلده، إلى رقم جديد في قوائم الاستنفار والتجنيد لتغذية محرقة لا تبقي ولا تذر.
يستوجب هذا المخطط توثيقاً ميدانياً دقيقاً ورصداً من منظمات حقوق الإنسان والهيئات الدولية المعنية، إذ إن تسميته بمسماه الحقيقي — كجريمة تجويع وتجفيف ممنهج للبيئات المدنية لغرض التجنيد القسري — هو الخطوة الأولى نحو التصدي له وفضح أدواته.




