
الباشا محمد الباشا طبيق
الدولة المختطفة منذ الاستقلال
منذ أكثر من ستة عقود، يعيش السودان في ظل دائرة مغلقة من الهيمنة السياسية والاجتماعية التي مارستها نخب محدودة، سيطرت على مؤسسات الدولة الحيوية واحتكرت القرار الوطني. هذه النخب — التي توزعت على تيارات فكرية وأيديولوجية مختلفة — لم تكن يوماً مشاريع وطنية، بل كانت واجهات لمصالح ضيقة تغذت على استغلال السلطة والثروة واحتكار النفوذ.
هذه السيطرة المتطاولة لم تقتصر على المجال السياسي فقط، بل امتدت إلى الثقافة والتعليم والإعلام والاقتصاد، فأفرغت الدولة من مضمونها الوطني وحولتها إلى جهاز يخدم فئة صغيرة على حساب الأغلبية. ومع مرور الوقت، تكرّست فكرة مفادها أن السودان “ملك حرّ” لمناطق وجهويات محددة، وأن من يولد خارج تلك الدوائر يبقى مواطناً من الدرجة الثانية لا مكان له في مؤسسات القرار أو القيادة.
من الاستعمار الخارجي إلى الاستعمار الداخلي
الاستقلال الذي ناله السودان عام 1956 لم يكن تحرراً كاملاً، بل انتقالاً ناعماً من استعمار أجنبي إلى استعمار داخلي مارسته النخبة الوطنية. فبينما غادر المستعمر أرض السودان، بقيت أدواته في الحكم والإدارة والفكر، تتوارثها طبقات محددة تتحدث باسم الدولة وتتصرف في مواردها وكأنها إرث شخصي.
لقد استُبدل الاحتلال الخارجي باحتلال اجتماعي واقتصادي وفكري، يهيمن على العقول أكثر مما يهيمن على الأرض. وهذا ما جعل مؤسسات الدولة عاجزة عن تمثيل تنوع السودان الحقيقي، وفاقدة للشرعية الأخلاقية في نظر أغلب مواطنيها.
لحظة الانفجار: حرب 15 أبريل 2023
لم تكن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين، بل كانت تجسيداً لصراع طويل حول طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة جميع السودانيين أم دولة النخبة وحدها؟
لقد سعت القوى التقليدية إلى حماية امتيازاتها التاريخية عبر أدوات الحرب والدعاية والتخويف، بينما خرجت أصوات جديدة من الهامش تطالب بإعادة تعريف معنى الوطن والسلطة والثروة. وهنا تحوّلت المعركة من صراع على الحكم إلى معركة على هوية الدولة ومستقبلها.
تحرير السودان… مشروع وطني لا دعوة للفوضى
إنّ “تحرير السودان” ليس شعاراً سياسياً ولا دعوة إلى إسقاط أشخاص، بل هو مشروع وطني لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية.
التحرير هنا يعني تحرير مؤسسات الدولة من الولاءات الضيقة، وتحرير الاقتصاد من الاحتكار، وتحرير الثقافة من التمركز، وتحرير الوعي الجمعي من الخوف والتبعية.
ولكي يتحول هذا المشروع إلى واقع، لا بد من خطوات عملية تبدأ بإصلاح القطاع الأمني وفصل المؤسسة العسكرية عن السياسة، وتفكيك منظومات الفساد التي حوّلت الدولة إلى مزرعة خاصة، وبناء نظام لا مركزي يمنح الأقاليم صلاحيات حقيقية في إدارة مواردها. كما أن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية الشاملة يجب أن تكون بوابة العبور نحو مستقبل جديد
معركة الوعي قبل معركة السلطة
تحرير السودان لا يُختزل في تغيير الحكومات أو تبديل الوجوه، بل يبدأ من تحرير الوعي الجمعي. فالدولة التي تُدار بعقلية الاستحواذ والإقصاء ستعيد إنتاج أزماتها مهما تغيّر قادتها.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي وضمير، هدفها ترسيخ فكرة أن المواطنة — لا الانتماء الجغرافي أو العرقي — هي أساس الحقوق والواجبات.
إنّ السودان لن ينهض ما لم يتحرر من قيوده التاريخية والفكرية. فالتحرير ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة.
وما لم نواجه جذور الأزمة بشجاعة، فسنظل ندور في حلقة مفرغة من الصراعات والحروب التي تُعيد إنتاج ذات النظام الذي نحاربه.
تحرير السودان ليس نهاية الطريق، بل بدايته نحو وطن يسع الجميع.
الخميس
13/11/2025




