حكومة السلام تغلق ملف الشهادة الثانوية دون أي عوائق وتتجه نحو الجامعات والتعليم العالي
أدهم الضهيب

أدهم الضهيب
بينما ما تزال الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على السودان، وتواصل تحديات الواقع الإنساني والأمني فرض نفسها على حياة الملايين، نجحت حكومة السلام في تحقيق واحد من أهم الإنجازات الوطنية خلال المرحلة الراهنة، بإكمال امتحانات الشهادة الثانوية بصورة منظمة وآمنة، لتغلق بذلك ملفًا بالغ الأهمية دون تعثر أو اضطراب، وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها استئناف التعليم الجامعي وإعادة بناء مؤسسات التعليم العالي.
لم يكن تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية مجرد إجراء إداري روتيني، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات الوطنية على الصمود والعمل في ظروف استثنائية. فالامتحانات جاءت في ظل حرب مستمرة وتعقيدات لوجستية وأمنية كبيرة، وفي وقت راهن فيه كثيرون على استحالة تنفيذها أو نجاحها. غير أن ما تحقق على الأرض أثبت أن الإرادة السياسية حين تقترن بالتخطيط الجيد والعمل المؤسسي تستطيع تجاوز أصعب العقبات.
لقد أدركت حكومة السلام منذ وقت مبكر أن التعليم ليس خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، بل هو حق أساسي وركيزة استراتيجية لحماية مستقبل الأجيال. ولذلك وضعت قضية التعليم ضمن أولوياتها القصوى، وتعاملت معها باعتبارها معركة وطنية لا تقل أهمية عن معارك الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار.
والأهمية الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن فقط في عقد الامتحانات وإنهائها بنجاح، وإنما في الرسالة السياسية والاجتماعية التي حملها إلى المواطنين. فقد أثبت أن مناطق الهامش التي عانت لعقود طويلة من التهميش والإقصاء قادرة على إدارة شؤونها وتقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها بكفاءة واقتدار عندما تتوفر الإرادة والقيادة الرشيدة.
كما أن النجاح في هذا الملف شكّل ردًا عمليًا على الأصوات التي حاولت التشكيك في قدرة المؤسسات الجديدة على إدارة القضايا الوطنية الكبرى. فالنجاحات لا تُقاس بالشعارات ولا بالمواقف الإعلامية، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من خدمات ومشروعات وإنجازات تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
وفي هذا السياق، يستحق العاملون في القطاع التعليمي كل التقدير والعرفان. فقد قدم المعلمون والمعلمات نموذجًا ملهمًا في التضحية والالتزام المهني، وواصلوا أداء رسالتهم السامية رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب. كما لعبت اللجان الفنية والإدارية دورًا محوريًا في التخطيط والتنظيم والمتابعة، وساهمت الأجهزة الأمنية في توفير البيئة الآمنة التي ضمنت سير الامتحانات بصورة مستقرة ومنظمة.
واليوم، وبعد أن أُسدل الستار على امتحانات الشهادة الثانوية بنجاح، تتجه الأنظار إلى المرحلة المقبلة المتمثلة في إعادة تشغيل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. وهي خطوة لا تقل أهمية عن الامتحانات نفسها، لأنها تمثل الحلقة التالية في مشروع استعادة الحياة الطبيعية وإعادة بناء الدولة على أسس المعرفة والعلم والتنمية البشرية.
إن الجامعات ليست مجرد قاعات ومحاضرات، بل هي مصانع للعقول ومنصات لإنتاج المعرفة ومراكز لصناعة القيادات المستقبلية. ومن هنا فإن إعادة فتحها واستئناف نشاطها يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل السودان وفي قدرته على تجاوز آثار الحرب وبناء دولة حديثة قائمة على الكفاءة والعدالة والفرص المتكافئة.
لقد أثبتت تجربة الشهادة الثانوية أن الإرادة الوطنية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وأن الشعوب التي تتمسك بحقها في التعليم لا يمكن أن تهزمها الظروف مهما بلغت قسوتها. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح حكومة السلام في إغلاق ملف الشهادة الثانوية لا يمثل نهاية مهمة، بل بداية مرحلة جديدة من العمل الوطني الجاد نحو استعادة المؤسسات التعليمية كافة، وترسيخ حق السودانيين في التعليم باعتباره حقًا أصيلًا لا يجوز مصادرته أو تعطيله تحت أي ظرف.




