رأي

المهدية حركة تحرر… من كرري إلى 15 أبريل

كيف يستقيم الظل و العود اعوج 111؟ - الصديق المريود

التاريخ لا يُكتب بالحبر وحده، بل بالدماء التي سالت دفاعاً عن الحرية. والمهدية في السودان لم تكن واقعة عسكرية عابرة، بل حركة تحرر وطني هزّت أركان الإمبراطورية البريطانية وألهمت شعوب العالم. واليوم، بعد أكثر من قرن، يعيد السودانيون كتابة ملحمتهم في مواجهة جيش الحركة الإسلامية، وكأن التاريخ يبعث نفسه في مشاهد البطولة والتضحية.

في كرري لم تُهزم الإرادة؛ سقطت الأجساد وقامت المعاني. هناك، عند هدير المكسيم، كانت الروح السودانية تقول: “لا يضيع حقٌّ وراءه مطالب”. لم تكن المهدية مجرد معركة بالسيوف في مواجهة المدافع، ولا مغامرة عسكرية طائشة، بل كانت حركة تحرر وطني شامل. هي ثورة قلبت معادلة القوة في زمانها، وأثبتت أن “إرادة الشعوب أقوى من سلاح الإمبراطوريات”. ولو كانت المهدية مجرد واقعة عسكرية لهُزمت في أول صدام، لكنها صمدت سنوات، وحركت أجيالاً، وأسست أول دولة وطنية سودانية على قاعدة الاستقلال والكرامة.

من قدير إلى شيكان، ومن ميادين البيعة إلى أزقّة أم درمان، كان السؤال واحداً: كيف نصير شعباً لا رعيّة؟ وكيف نعيد تعريف الدولة لكي تخدم الناس لا أن تستعبدهم؟ وقد علّمتنا المهدية أن القيادة ليست خطابةً ولا زينةً في الصدور، بل “كاريزما الصدق” وعرق التعبئة وميزان العدل. فاليد الواحدة لا تُصفِّق، لكن الأيدي إذا اجتمعت صنعَت وطناً. ولذلك قال المثل الشعبي: إيد واحدة ما بتصفق، لكن الجموع إذا صفّقت دوّت.

المهدية لم تكن حدثاً محلياً محصوراً في حدود السودان. العالم كله تابعها بدهشة. الصحف البريطانية وصفتها بأنها “زلزال هزّ الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”. ويليام موريس، شاعر اليسار الإنجليزي، كتب عن الخرطوم: “لقد سقطت في يد شعبها الذي تنتمي إليه”. بل حتى أصوات في أستراليا احتجت على إرسال جنودهم لقمع السودانيين، فسألوا: “لماذا نرفع سلاحنا على رجال يقاتلون من أجل حريتهم؟”. وكما حدث في الجزائر ضد فرنسا، وفي الهند ضد الاستعمار البريطاني، وفي فيتنام ضد أميركا، فإن ثورات المستضعفين دائماً تُحدث الصدى نفسه: تُربك الأقوياء وتلهم الشعوب.

لقد أصاب د. العالم أحمد دقاش في مقاله “هل كاد كارل ماركس أن يكون أنصارياً؟” حين استحضر عظمة كرري وذكر أن حتى ماركس اهتزّ لملحمة المهدية. غير أن ما يجب تأكيده أن المهدية ليست مجرد ذكرى تستحضر في مقام الفخر العاطفي، بل مدرسة عملية في كيفية تحويل الإيمان الشعبي إلى طاقة سياسية واجتماعية. فإذا اكتفى خطابنا بالحنين دون أن نحمل منه الدروس لبناء الحاضر، نكون قد ظلمنا الشهداء الذين سقطوا في كرري وفي كل معارك التحرير. فالمهدية لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحرير الإنسان السوداني من القهر الاستعماري وبناء دولةٍ وطنية جامعة.

أما الأستاذة رشا عوض فقد كتبت في مقالها “إهداء إلى حزب الأمة جناح بورتسودان” عن علاقة القوى السياسية بالدولة المركزية والجذر الخديوي. وقد أصابت حين لامست بعض التناقضات، لكنها أخطأت حين اختزلت المهدية والأنصار في زاوية التبعية للمركز. فالمهدية في جوهرها ثورة الهامش العريض ضد الوصاية التركية المصرية، وضد احتكار الثروة والسلطة. ومن هنا فإن الربط بينها وبين نضال السودانيين اليوم ضد الاستبداد ليس ترفاً فكرياً، بل عودةٌ إلى الجذور التي لا تموت.

ولم تتوقف محاولات بعض الأصوات عن تشويه المهدية، تارةً بربطها بظواهر دخيلة، وتارةً أخرى عبر لغة التحقير. مثل هذه المهاترات – التي كتبتها هنادي فضل – ليست إلا صدى لخطابٍ قديم صاغته أجهزة الاستعمار. لكن الردود الرصينة، كما فعل د. محمد إبراهيم خليل، أعادت الأمور إلى نصابها: فالمهدية لم تكن “غزواً” بل تحريراً للخرطوم من قبضة دولةٍ غريبة عن وجدان السودانيين. ولم تكن عصبيةً قبلية، بل حركة جامعة جمعت شتات البلاد تحت راية التوحيد والحرية. ومحاولة تصويرها كـ”جيش عطاوة” هو جهل بالتاريخ أو تعمد لتشويهه. وكما قال المتنبي:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ

فالمهدية غامرت في الشرف الأعلى: الحرية. ومن هذه الروح وُلدت الفكرة أن التحرر لا يُقاس فقط بالرصاص، بل بالقدرة على صناعة وعي جمعي جديد.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة جوهر المهدية: لا كحنينٍ للماضي، بل كبوصلةٍ للمستقبل. دولةٌ لكل السودانيين، تُهذِّب القوة بالقانون، وتسوّي بين المركز والهامش، وتطلق طاقات الأقاليم لا تصادرها. دولةٌ لا يحكمها عقل الثكنة ولا مقايضة الولاء بالخبز، بل يحكمها دستور يضمن الحقوق والحريات. معركة السودانيين اليوم، كما كانت بالأمس، هي بين من يريد الدولة عقداً عادلاً، ومن يريدها غنيمةً ومزرعة. النجاة في “تغيير شِفرة تشغيل الدولة” لتكون المنفعةُ عامة لا خاصةً ، والسلطة وديعةً لا ملكيةً خاصة.

وكما قاوم الأسلاف بنادق المكسيم، قاوم الأحفاد في حرب 15 أبريل دبابات الاستبداد بذات المنطق: “الحقوق تُنتزع ولا تُمنح”. يومها خرج الشعب السوداني في معركة بقاء ضد جيش الحركة الإسلامية الذي انقلب على الوطن، وضرب مواطنيه بالطيران والأسلحة الكيماوية، وطبّق ما سُمّي بـ”قانون الوجوه الغربية ” كأول قانون فصل عنصري في تاريخ السودان. كانت تلك لحظة فاصلة كشفت أن هذا الجيش لم يعد جيش الشعب، بل مليشيا تنظيم عقائدي تحوّل إلى أداة إرهاب داخلي.

لكن كما واجه الأجداد مدافع يوركشير، تصدّى الأحفاد للدبابات والطيران بصدورهم العارية وإرادتهم الصلبة. رأينا شباباً ونساءً يواجهون آلة الموت بجرأة، يسيرون في المسيرات التاريخية ويهتفون: “لن نُستعبد بعد اليوم”. لقد أثبتوا أن السودان لا يُقهر، وأن أحفاد الأنصار الذين حرروا الخرطوم من المستعمر قادرون اليوم على تحريرها من جيش الحركة الإسلامية الإرهابي. وما إعلان الحكومة التأسيسية إلا امتداد لذلك المسار: إعادة كتابة عقد اجتماعي جديد، ينقل السودان من دولة الاستبداد والتمييز إلى دولة العدالة والمواطنة المتساوية. وكما كانت الثورة المهدية رمزاً لوحدة المستضعفين ضد المستعمر، فإن إعلان التأسيس اليوم رمزٌ لوحدة السودانيين ضد الاستبداد المحلي.

التاريخ لا يعيد نفسه عبثاً؛ إنه يعيد نفسه لأن جذوة المقاومة لا تنطفئ. ومن يعرف تاريخ المهدية يدرك أن السودان لا يمكن أن يُكسر، بل ينحني ليعود أشد صلابة. وكما يقول المثل : كل ما لا يقتلنى يقويني . إنها المهدية، لم تكن مجرد ثورة مضت، بل شعلة تتقد في الذاكرة، ووقود لمستقبل واحد: سودان العدل والحرية والسلام.

اريزونا الولايات المتحدة الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!