رأي

من يبيع الوطن لا يؤتمن عليه

عدنان إبراهيم عيسى

 

عدنان إبراهيم عيسى

حرب الذلة وليست حرب 

تُقاس الدول في لحظات الأزمات الكبرى بقدرتها على حماية سيادتها وصون كرامة مواطنيها والدفاع عن حدودها الوطنية. أما الشعارات والخطب الحماسية، مهما ارتفعت نبرتها، فإنها تفقد قيمتها عندما تُختبر أمام الوقائع على الأرض. وفي السودان اليوم تتجلى هذه الحقيقة بصورة مؤلمة، بعد أن باتت السيادة الوطنية عرضة للانتهاكات، بينما يواصل بعض من يدّعون الدفاع عنها الاكتفاء بالصمت أو التبرير أو الهروب إلى الأمام.

إن الحادثة التي شهدها شمال السودان، والتي راح ضحيتها مواطنون سودانيون كانوا يعملون في مناطق التعدين داخل الأراضي السودانية، تطرح أسئلة عميقة حول طبيعة السلطة التي تدّعي تمثيل الدولة وحماية مواطنيها. فالقضية لا تتعلق بحادثة أمنية عابرة يمكن تجاوزها ببيان مقتضب أو تصريح دبلوماسي، وإنما تتعلق بجوهر مفهوم الدولة نفسها: هل ما زالت الدولة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها أم أنها فقدت هذه الوظيفة الأساسية؟

لقد ظل السودانيون يسمعون منذ اندلاع الحرب شعارات كثيرة تتحدث عن الكرامة والسيادة والدفاع عن الوطن. غير أن الشعارات وحدها لا تصنع السيادة، كما أن الخطابات السياسية لا تحمي الأجواء والحدود ولا تمنع إراقة دماء المواطنين. فالسيادة ممارسة عملية قبل أن تكون خطابًا سياسيًا، وهي قدرة الدولة على فرض احترام حدودها وصيانة حقوق شعبها وحماية قرارها الوطني المستقل.

وإذا كانت الحروب تُخاض من أجل الدفاع عن الأرض والإنسان، فإن أي حرب تعجز عن حماية المواطنين أو تمنع الاعتداء على السيادة الوطنية تفقد مبرراتها الأخلاقية والسياسية. لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يرفع شعار الكرامة، بل من يحمي كرامة السودانيين بالفعل؟ ومن يصون دماءهم وأرضهم ومقدراتهم؟

 

إن أخطر ما تواجهه الدول ليس العدوان الخارجي وحده، وإنما حالة التعايش مع الانتهاكات والتطبيع مع الإخفاقات. فعندما يصبح الصمت على المساس بالسيادة أمرًا معتادًا، وعندما تُقدَّم الحسابات السياسية على المصالح الوطنية، فإن الدولة تدخل مرحلة خطيرة من التآكل وفقدان الثقة الشعبية.

 

لقد أثبت التاريخ أن الأوطان لا تُحفظ بالارتهان للخارج ولا بإخضاع القرار الوطني لمصالح الآخرين. فالاستقلال الحقيقي لا يكتمل بمجرد رفع العلم أو الجلوس على مقاعد السلطة، وإنما يتحقق عندما تكون إرادة الدولة نابعة من مصالح شعبها، وعندما يصبح الدفاع عن السيادة الوطنية واجبًا مقدسًا لا يخضع للمساومات أو الحسابات الضيقة.

 

إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جديد يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ويضع المواطن في قلب المعادلة السياسية. مشروع يؤمن بأن دم السوداني أغلى من أي تحالف سياسي، وأن السيادة الوطنية ليست ملفًا تفاوضيًا وإنما حق ثابت لا يقبل الانتقاص.

 

لقد دفع السودانيون أثمانًا باهظة عبر تاريخهم دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم، ولن يقبلوا أن تتحول بلادهم إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات أو إلى ورقة في صراعات المصالح الإقليمية. فالوطن ليس ملكًا لحكومة أو حزب أو جماعة، بل هو ملك لشعب بأكمله، ومن يفرط في سيادته أو يعجز عن حمايتها يفقد حقه الأخلاقي والسياسي في ادعاء تمثيله.

ولهذا تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا: أن الكرامة الوطنية لا تُقاس بما يُقال في المنابر، بل بما يُفعل على الأرض. وأن من يعجز عن حماية الوطن أو يساوم على سيادته لا يمكن أن يكون مؤتمنًا على مستقبله، لأن الأوطان تُبنى بالإرادة الحرة والقرار المستقل والوفاء المطلق لمصالح شعوبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!