
نجم الدين دريسة
كيف تحول الجيش إلى شاهد صامت على السيادة المنتهكة
ليس أخطر على الدول من جيش يفقد وظيفته الوطنية. فالجيوش لا تُقاس بعدد الجنود ولا بحجم الترسانة العسكرية، وإنما بقدرتها على حماية الأرض والسيادة والحدود وصون كرامة المواطنين. وعندما تتحول المؤسسة العسكرية من حارس للوطن إلى متفرج على انتهاك سيادته، يصبح السؤال مشروعاً: لمن يعمل هذا الجيش؟ ولصالح من تُدار عقيدته القتالية؟
في الحالة السودانية يبرز هذا السؤال اليوم بصورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فمنذ سنوات طويلة ظلت مصر تحتل مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، وهو احتلال موثق ومعلن ومعروف للقاصي والداني. ورغم ذلك لم يسمع السودانيون يوماً خطاباً عسكرياً حازماً أو موقفاً سيادياً جاداً من المؤسسة العسكرية السودانية يعكس حجم هذا الانتهاك أو يوازي خطورته.
الأمر لا يقف عند حدود الاحتلال فحسب. فخلال السنوات الأخيرة تصاعدت اتهامات متكررة تتحدث عن تدخلات مصرية مباشرة وغير مباشرة في الشأن السوداني، وعن تمدد نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعن نشاط اقتصادي وأمني يتجاوز حدود العلاقات الطبيعية بين الدول. ومع ذلك ظل الصمت هو اللغة الرسمية للمؤسسة التي يفترض أنها حامية السيادة الوطنية.
وإذا كان الاحتلال وحده كافياً لطرح الأسئلة، فإن ما جرى خلال الحرب الحالية جعل هذه الأسئلة أكثر قسوة. فقد شهد السودان استهدافاً واسعاً للبنية التحتية والمنشآت المدنية ومناطق التعدين ومصادر الخدمات الأساسية، بينما ظلت المؤسسة العسكرية منشغلة بحرب داخلية مدمرة، عاجزة عن تقديم أي رؤية متماسكة لحماية البلاد أو الدفاع عن حدودها أو حتى طمأنة شعبها.
إن الجيوش المحترفة تُعرف من أولوياتها. فأولوية أي جيش وطني هي حماية الأرض من أي اعتداء خارجي. أما حين يصبح العدو الداخلي هو المشروع الدائم، بينما تتراجع قضايا السيادة الوطنية إلى الهامش، فإن المؤسسة العسكرية تكون قد ابتعدت عن وظيفتها الأصلية ودخلت في مسار مختلف تماماً.
السودانيون الذين تابعوا بصمت تمدد الاحتلال في حلايب وشلاتين لعقود، والذين شاهدوا غياب أي خطوات عملية لاستعادة الأراضي المحتلة، يملكون اليوم حق التساؤل: لماذا يظهر الجيش بكل هذه الصلابة حين يتعلق الأمر بالصراع على السلطة، بينما يبدو عاجزاً أو متردداً عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن السيادة الوطنية؟
هذا السؤال لا يستهدف الأفراد بقدر ما يستهدف البنية نفسها. فالأزمة الحقيقية ليست في قائد عسكري أو حكومة مؤقتة أو مرحلة سياسية بعينها، وإنما في مؤسسة تشكلت عبر عقود طويلة على أسس جعلتها أقرب إلى مركز نفوذ سياسي منها إلى جيش قومي مهني.
لقد ورث السودان منذ الاستقلال نموذجاً عسكرياً شديد الارتباط بالمركز السياسي، ومع مرور الزمن أصبح الجيش لاعباً أساسياً في صناعة السلطة، لا مجرد مؤسسة تنفيذية تتبع للدستور. ومنذ ذلك الحين تكررت الانقلابات، وتعاقبت الأنظمة العسكرية، وتراجعت فرص بناء مؤسسة قومية حديثة تمثل جميع السودانيين على قدم المساواة.
ولأن المؤسسة انشغلت طويلاً بإدارة السياسة، فقد تراجعت وظيفتها الأساسية المرتبطة بحماية الحدود والسيادة. وهكذا نشأ واقع غريب أصبحت فيه قضايا الحكم أكثر أهمية من قضايا الوطن، وأصبح الصراع على السلطة أكثر حضوراً من الصراع من أجل الأرض.
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط استمرار الاحتلال أو الصمت تجاهه، وإنما اعتياد السودانيين على هذا الوضع حتى أصبح أمراً طبيعياً. فالأمم التي تتصالح مع انتهاك سيادتها تفقد تدريجياً قدرتها على الدفاع عن مستقبلها. والسيادة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ بحماية الأرض وتنتهي بحماية القرار الوطني من أي وصاية خارجية.
لقد أثبتت التجربة أن المؤسسة العسكرية بصورتها الحالية لم تنجح في تحقيق الاستقرار السياسي، ولم تنجح في إنهاء الحروب، ولم تنجح في حماية الوحدة الوطنية، كما لم تنجح في استعادة الأراضي المحتلة أو ردع التدخلات الخارجية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقاً بكيفية إصلاح بعض الأخطاء داخل المؤسسة، بل بكيفية إعادة تعريف دورها بالكامل.
السودان بحاجة إلى جيش قومي جديد، جيش يعكس تنوع البلاد الثقافي والإثني والجغرافي، ويخضع للدستور والقانون، ويبتعد عن السياسة، ويجعل حماية الحدود والسيادة الوطنية في مقدمة أولوياته. جيش يشعر المواطن في دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط بأنه يمثله ويحميه بالتساوي.
كما أن السودان بحاجة إلى مشروع وطني يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية، بحيث تصبح القوات المسلحة أداة للدفاع عن الوطن لا أداة لإدارة الحكم. فالدول الحديثة لا تبنى بالانقلابات ولا تستقر بالبندقية، وإنما تقوم على مؤسسات مدنية قوية وجيوش مهنية خاضعة للرقابة الدستورية.
إن استمرار الوضع الراهن يعني استمرار الحلقة المفرغة نفسها: حروب داخلية، وأزمات سياسية، وتراجع اقتصادي، وتآكل للسيادة الوطنية. أما الخروج من هذه الدائرة فيتطلب شجاعة تاريخية للاعتراف بأن المشكلة أعمق من الأشخاص، وأن إعادة التأسيس لم تعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية.
فالوطن الذي تُحتل أراضيه ويُستباح قراره وتُنهب موارده بينما يلتزم جيشه الصمت، يحتاج إلى مراجعة جذرية لا إلى خطابات تعبئة. والسيادة التي لا تجد من يحميها تتحول إلى مجرد كلمة في الكتب والوثائق الرسمية.
لقد آن الأوان للسودانيين أن يطرحوا السؤال المؤجل منذ عقود: هل نريد جيشاً للوطن أم جيشاً لخدمة النخب المتآمرة علي الشعوب ؟
فالتاريخ يعلمنا أن الجيوش التي تنسى حدودها السياسية تفقد في النهاية قدرتها على حماية الحدود الجغرافية. وعندما تصبح المؤسسة جزءاً من الأزمة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل، فإن إعادة بنائها تصبح واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل.
وحين يعجز الجيش عن حماية الأرض، ويصمت أمام انتهاك السيادة، ويتحول إلى شاهد على ما يجري بدلاً من أن يكون حارساً للوطن، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط المؤسسة، بل سقوط معنى الدولة نفسها.




